استفتاء الجزائر.. السلطة تخسر رهان «المشاركة» وعينها على النتيجة

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

خسرت السلطة في الجزائر رهانها على حشد أغلبية شعبية للمشاركة في الاستفتاء على تعديل الدستور، الذي أجري أمس الأحد، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 23.7% في المائة من إجمالي الناخبين المقيدين، فيما يرجح أن تحسم السلطة الرهان المتعلق بالموافقة على التعديلات الدستورية المقترحة.

 

وأعلن رئيس السلطة الوطنيّة المستقلّة للانتخابات في الجزائر محمد شرفي، أنّ "نسبة المشاركة في الاستفتاء الوطني على التعديل الدستوري كانت في حدود 23,7 بالمائة"، ما يُعادل تصويت 5,5 ملايين ناخب من أصل 23,5 مليون مسجّل بالجزائر، دون احتساب نحو 900 ألف ناخب في الخارج.

 

وتعتبر هذه النسبة ضعيفة وأقل من نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسيّة العام الماضي والتي كانت 39,93 بالمئة والتي اعتبرت ضعيفة جدا. ومن المنتظر إعلان النتائج النهائية للاستفتاء خلال مؤتمر صحفي يعقدهُ محمد شرفي، اليوم الاثنين بعد احتساب الناخبين في الخارج.

 

وينص تعديل الدستور على حصر فترات رئاسة البلاد بولايتين فقط، وهي ضمن المواد الصماء غير القابلة للتعديل، مما يمنع الرئيس من إعادة فتح الولايات بتعديل آخر، كما سبق أن فعل الرئيس السابق بوتفليقة في 2008 حتى يترشح لولاية ثالثة في 2009.

 

كما يعطي التعديل الدستوري المزيد من الصلاحيات للبرلمان والقضاء، ويسمح للجيش بالتدخل خارج الحدود وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد.

 

ومن التغييرات البارزة في التعديل الدستوري المقترح إلزام رئيس الجمهورية بتعيين رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية، لكن هذا الإجراء يسقط في حال فازت أغلبية موالية للرئيس.

 

وخصص الدستور المعدل أكثر من 30 مادة لباب الحقوق والحريات، تضمنت كل ما نصت عليه المواثيق الدولية من حرية الصحافة، وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات، وكذلك حرية التجارة والاستثمار وحرية المعتقد.

 

ويأتي التصويت على الاستفتاء على التعديل الدستوري وسط غياب الرئيس عبد المجيد تبون الذي يعالج في الخارج، وذلك بعد دخوله في حجر صحي طوعي عقب إصابة عدد من مساعديه بفيروس كورونا، وهو ما استدعى في البداية نقله لمستشفى عسكري في الجزائر، قبل أن يتم نقله للعلاج في ألمانيا، فيما تقول الرئاسة الجزائرية أن حالته مطمئنة ومستقرة.

 

وقاطع الجزائريّون بشكل واسع عمليّة التصويت على تعديل دستوري يُفترض أن يؤسّس لـ"جزائر جديدة" ويُضفي الشرعيّة على الرئيس عبد المجيد تبون صاحب هذه المبادرة.

 

وبدا منذ بداية الاستفتاء الاتّجاه نحو نسبة مشاركة ضعيفة، إذ إنّها انتقلت من 5,8% إلى 13% ثم 18,44% قبل ساعتين من إغلاق مكاتب التصويت.

 

ولا شكّ في فوز معسكر الـ"نعم"، إذ إنّ الحملة التي سبقت الاستفتاء ولم يُبال بها جزء كبير من السكّان، كانت في اتّجاهٍ واحد، بينما لم يتمكّن أنصار التصويت بـ"لا" من تنظيم تجمّعات.

 

واعتمدت الجزائر شعاراً رسمياً للاستفتاء الشعبي، مستمداً أيضا من الثورة التحريرية وهو "1954 نوفمبر التحرير.. 2020 نوفمبر التغيير"، معتبرة أن موعد الأحد الانتخابي "سيأتي بالاستقلال الثاني للبلاد" من خلال القطيعة مع سياسات نظام بوتفليقة.

 

فيما انتقد المعارضون لما جاء في التعديل الدستوري ذلك، واعتبروه "محاولة لاستعطاف الجزائريين واللعب على وتر ما يعرف بالشرعية الثورية لتفادي حرج نسب التصويت الضعيفة".

 

وانقسم الجزائريون بين مؤيدين لما جاءت به التعديلات الدستورية، يرون أنها "كرست مطالب حراك 22 فبراير 2019، وأنها مؤشرحقيقي على بداية التغيير الجذري الذي يوصل البلاد إلى الجمهورية الجديدة ويمنح صلاحيات واسعة للبرلمان والقضاء ويقلص صلاحيات رئيس البلاد، ويقطع الطريق على كل المستفيدين من نظام بوتفليقة وفترة التسعينيات" بينهم جماعة الإخوان.

 

وجبهة ثانية عبرت عن "خيبة أملها" من محتوى المشروع التمهيدي للدستور، ووصفت بعض بنوده بـ"المفخخة والتجاوز الخطير والامتداد للنظام السابق والتنازل المجاني والغامض عن مبادئ لم يجرؤ أي رئيس جزائري على طرحها"، وطالب أنصار ذلك التوجه الجزائريين بالتصويت بقوة يوم الاستفتاء بـ"ورقة لا لإسقاط الدستور المقبل".

 

أما الفئة الثالثة فقد قررت مقاطعة التصويت في الاستفتاء الشعبي على تعديل الدستور، وكانت مواقفها أكثر حدة تجاه السلطة الجزائرية، ورأت بأن ما جاءت به من تعديلات "يؤكد عدم جديتها في إحداث التغيير وبأنها تسعى لربح الوقت حفاظاً على بقاء النظام ذاته الذي حكم البلاد منذ استقلالها".

وبحسب المحلّل السياسي حسني عبيدي، المتخصّص في شؤون العالم العربي، يُواجه تبون "وضعا معقّدا" بسبب نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات الرئاسيّة التي جاءت به.

 

وقال عبيدي لوكالة فرانس برس إنه "حتّى لو حاول الحصول على الشرعيّة من خلال صندوق الاقتراع، فإنّ مساحة المناورة لديه محدودة"، لأنّ الجيش "تعلّم الدروس" من رئاسة عبد العزيز بوتفليقة  الذي حرّر نفسه من وصايته، مشيرا إلى أنّه أصبح مرّة أخرى "الممسك الحقيقي" بزمام السلطة.

 

وبالنسبة إلى لويزة آيت حمدوش، أستاذة العلوم السياسيّة في جامعة الجزائر، فإنّ الحكم على قوّة الحراك سيكون من خلال نسبة الامتناع عن التصويت واستمرار طبيعته السلميّة. وأشارت إلى أنّ "الاستفتاء لا يمثّل أيّ رهان من حيث التغيير السياسي وتغيير أسلوب الحكم" لكنّه "يمثّل رهانا كبيرا في ما يتعلّق بتوطيد السلطة، بالاعتماد في المقام الأوّل على نسبة المشاركة".

 

بسبب الوباء، تمّ تطبيق إجراءات صارمة، بدءا بتحديد عدد الذين يدخلون إلى مركز الاقتراع بشخصين أو ثلاثة في وقت واحد، والتزام وضع الكمامات. وأُلغيت الستائر في مقصورات الاقتراع، لمنع الناخبين من لمسها.

 

وقبل الاستفتاء، قال تبون في رسالة نشرتها وكالة الأنباء الرسميّة مساء السبت، إنّ "الشعب الجزائري سيكون مرّة أخرى على موعد مع التاريخ، من أجل التغيير الحقيقي المنشود، من خلال الاستفتاء على مشروع تعديل الدستور، من أجل التأسيس لعهد جديد يُحقّق آمال الأمّة وتطلّعات شعبنا الكريم إلى دولة قويّة عصريّة وديمقراطيّة".

 

ولم يتمّ اختيار موعد الاستفتاء مصادفة. فالأوّل من نوفمبر هو "عيد الثورة" ذكرى اندلاع حرب الاستقلال ضدّ الاستعمار الفرنسي.

 

وأفاد ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن وقوع أعمال شغب وتكسير لصناديق اقتراع ليل السبت الأحد، في منطقة القبائل المعروفة بعزوفها الانتخابي. وشهدت بجاية وتيزي وزو، أهمّ مدينتَين في منطقة القبائل، عزوفا شبه تامّ عن التصويت، بحسب شهود على مواقع التواصل الاجتماعي، وساهم ذلك بشكل كبير في ضعف نسبة المشاركة.

 

كما ذكرت اللجنة الوطنيّة للإفراج عن المعتقلين، وهي جمعيّة داعمة للحراك، أنّ قوّات الشرطة أوقفت عددا من الأشخاص في العاصمة وتيزي وزو.

 

منذ أدائه اليمين رئيسا للبلاد في 19 ديسمبر 2019، بعد أسبوع من انتخابات شهدت نسبة امتناع قياسيّة عن التصويت، تعهّد تبون تعديل دستور 1996 من خلال مَدّ يده إلى "الحراك المبارك".

 

لكنّ ناشطي الحركة الاحتجاجيّة رفضوا النصّ المقترح "شكلا ومضمونا" لأنّه لا يُمثّل سوى "تغيير في الواجهة"، في حين أنّ الشارع طالب بـ"تغيير النظام"، لذلك دعوا إلى مقاطعة الاستفتاء.

 

ويحافظ الدستور بتعديلاته الجديدة على جوهر النظام الرئاسي، على الرغم من تضمّنه سلسلة من الحقوق والحرّيات لتلبية تطلّعات الحراك.  ويمنح الدستور الجديد رئيس الوزراء والبرلمان مزيداً من السلطات في إدارة شؤون البلاد، فيما أبقت على فترات الرئاسة قاصرة على ولايتين.

 

وتعهد الرئيس عبد المجيد تبون، الذي انتُخب في ديسمبر الماضي، مراراً بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وبتلبية المطالب التي رفعتها المظاهرات التي أطاحت بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 2019.

 

وانتخب عبد المجيد تبون، رئيسا للجزائر في ديسمبر الماضي، بعدما حصل على أربعة ملايين و950 ألف صوت، ليصبح بذلك، ثامن شخص يصل إلى هرم الجمهورية، منذ استقلال البلاد سنة 1962.

 

وعاد تبون إلى واجهة الحياة السياسية في الجزائر إثر انطلاق السباق نحو الرئاسة في عام 2019، لكن الرجل الذي أصبح أول رئيس منتخب بعد الحراك الذي أطاح عبد العزيز بوتفليقة، سبق له أن تولى عدة مناصب، خلال العقود الماضية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق