البيت المنقسم.. هل تتكرر نبوءة لنكولن في الولايات المتحدة

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

 

 

"A house divided against itself cannot stand".. Abraham Lincoln 1858.

 

في عام 1858، ألقى إبراهام لنكولن خطابه الشهير حول البيت المنقسم، وقال فيه عبارته الشهيرة "البيت المنقسم على نفسه لا يمكن أن يواجه"، تحولت تلك الكلمة إلى نبوءة فيما بعد، عندما انفصلت الولايات الجنوبية عن الاتحاد وشنت الحرب عليه عام 1865.

 

رغم كل شيء أنجزت الولايات المتحدة هدف لنكولن بإلغاء العبودية - ولكن ليس بدون خوض حرب أهلية عليها أولاً، تماما كما قال لنكولن.

 

لم يكن لنكولن يتحدث حينها عن نوع الانقسامات السياسية الشائعة في الولايات المتحدة، فالأمريكيون يختلفون بشدة في قضايا مثل الهجرة والإجهاض ولكن لا توجد قضية واحدة تقسم البلاد جغرافيًا واقتصاديًا بنفس الطريقة التي فعلتها العبودية في خمسينيات القرن التاسع عشر.

 

في ذلك الوقت ، كانت الولايات المتحدة منقسمة لدرجة أن الكثيرين كانوا يخشون من اندلاع حرب أهلية، وهو ما حدث لاحقا بعدها بأقل من 10 سنوات.

 

لم تقسم انتخابات رئاسية أمريكية المجتمع بشكل أكثر حدة من تلك التي جرت في 2020، فرغم إعلان النتائج فإن هناك رئيسا في السلطة يرفض الاعتراف بها، ويحشد أنصاره إلى الشارع.

 

رغم الاختلافات الحزبية، والقضايا الشائكة التي يختلف حولها الأمريكيون، فإن مؤسسات الرئاسة ومجلس النواب ومجلس الشيوخ استطاعت دوما إدارة الخلافات، والحفاظ على قدر من الدبلوماسية، لكن جميع ذلك ذاب في فترة رئاسة ترامب.

 

حتى هذه اللحظة، تبدو الأوضاع كبرميل بارود لم ينفجر، حشود في الشارع (بلا اشتباكات) رئيس يتشبث بالسلطة (بذرائع قانونية)، ارتفاع حدة التلاسن والاتهامات (دون دعوة صريحة للعنف).

 

لكنه إذا أضيف في الحسبان أن أنصار الرئيس الخاسر بينهم يمينيون هم الأكثر تطرفا، تكون الظروف أكثر خطرا.

 

لا يمكن تجاهل تلك الحقائق، ولذلك لا يخفى على المرء العادي حجم الاستنفار الشرطي والأمني في واشنطن، خاصة في ظل حشود أنصار ترامب، وكذلك في نيويورك وكاليفورنيا، فضلا حتى عن الولايات التي شهدت مشادات مع تأخر الفرز مثل فلادلفيا في بنسلفانيا، ونيفادا، وجورجيا.

 

منذ انتهاء الحرب الأهلية، لم تبد الولايات المتحدة منقسمة مثل اليوم، انقسام تزيده الأيام والشد والجذب، واستعدادات "الانتقام" و"الاستيلاء" و"التطهير" والتشكيك في الشرعية بدعاوى التزوير.

 

يكتسب ذلك الانقسام بعدا أكثر خطرا عندما يكون متعلقا (مجددا) بالأقليات، اضطهاد الأمريكان الأفارقة، وغيرهم.. هي معركة سياسية إذن، لكن لها أبعاد عرقية لا يمكن تجاهلها.

 

يمكن قراءة ذلك البعد العرقي بشكل واضح في تحليلات نسب التصويت، 87% من ذوي البشرة السمراء صوتوا لصالح بايدن، وكذلك 66% من اللاتين، و63% من ذوي الأصول الآسيوية.. فقط الأغلبية العرقية الوحيدة التي صوتت لترامب كانت من البيض 57%.

 

تزداد الأمور انقساما بالنظر إلى البعد الجغرافي، انتخابات وراء أخرى تترسخ مفاهيم الولايات الحمراء، والولايات الزرقاء، تلك التي تصوت دوما لصالح الجمهوريين، وتلك التي تؤيد الديمقراطيين، الساحل الغربي من نصيب الديمقراطيين، أما الساحل الشرقي فمنقسم، ولاياته الشمالية زرقاء والجنوبية حمراء.. ولايات الوسط جمهورية بالأساس.

 

يظهر بوضوح أن ذلك الانقسام أثر على وضع الولايات المتحدة وإستراتيجيتها، في سوريا مثلا: الجنود الأمريكيون لا هم دافعوا عن حلفائهم وأسقطوا نظام بشار، ولا هم تخلوا عنهم وانسحبوا بشكل كامل، كذلك في العراق.. انسحاب ناقص، وإجراءات مترددة تجاه المليشيات الموالية لإيران، حتى في الخليج.. لا يمكن تأكيد أن واشنطن تدعم محور السعودية والإمارات ولا حتى جانب قطر وتركيا، في أوكرانيا كذلك لا تبدو السياسات الأمريكية قاطعة، فنزويلا.. كوبا.. كوريا الشمالية، كلها محطات مفتوحة لكلا الاحتمالين، بعيدة عن الحسم، والقائمة طويلة.

 

المشكلة هي أن الجمهوريين في ظل سيطرة ترامب (التي تتعزز يوما بعد يوم) يجذبون ذلك الانقسام إلى الاتساع، ويبدو قادة الحزب الآخرون حتى الآن ضعفاء، غير قادرين على جر الحزب إلى ساحة الوحدة والقبول.

 

انقسام سياسي ذو أبعاد عرقية، ومعاقل جغرافية، يؤثر على مكانة أمريكا عالميا ويزداد رسوخا داخليا.. تماما كما كان البيت منقسما في زمن لنكولن.

 

لا يمكن القول ببساطة إن الولايات المتحدة على مشارف حرب أهلية، كما لا يمكن اعتبار أن الانقسام سيكون مقبولا هكذا ببساطة في الثقافة الأمريكية التي عملت طوال عقود على ترسيخ مبدأ الوحدة وإعلائه على كل شيء، لكنه في النهاية.. شرخ لا تخطئه العين، والأزمة أنه يزداد اتساعا.

 

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق