أسمرة والخرطوم وصواريخ التيجراي.. البارود يُشعل إثيوبيا

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

دخلت المواجهات العسكرية بين الحكومة الإثيوبية وإقليم التيجراي الإثيوبي مرحلة معقدة، فالحكومة برئاسة آبي أحمد تستمر في عملياتها العسكرية تجاه الإقليم، وسط تصعيد للتيجراي داخل وخارج إثيوبيا..

 

أحد أبرز محطات التصعيد كانت فوق العاصمة الإريترية أسمرة، والتي تعرضت خلال الساعات الفائتة لقصف متواصل من قبل التيجراي، وفق اعترافات لقادة الإقليم أكدتها تصريحات من الحكومة الإريترية.

 

وتصاعد القتال في منطقة تيجراى بين قوات الجيش الأثيوبي وقوات جبهة تحرير تيجراى فيما زادت عمليات التعبئة العسكرية في الوقت الذي تزايدت فيه أعداد الفارين من منازلهم للحدود السودانية وسط سقوط عدد من الصواريخ على العاصمة الأريترية أسمرة في الصراع الدائر منذ 12 يوما.

 

على الجانب الآخر، قال ديبرتسيون جيبريمايكل زعيم تيجراى إن "القتال لا يزال مستمرا على عدة جبهات" في إثيوبيا فيما قال خمسة دبلوماسيين إقليميين في تصريح لرويترز بعد وقت قصير من الهجوم إن ثلاثة صواريخ على الأقل أطلقت على العاصمة الإريترية من إثيوبيا وذلك عقب إصابة صاروخين على الأقل مطار أسمرة أمس الأحد.

 

الجيش الإريتري

 

زعيم تيجراى أكد ان قواته تقاتل "16 فرقة" من الجيش الإريتري "على عدة جبهات" خلال الأيام القليلة الماضية، ولم يذكر تقديرا لعدد القوات التي يعتقد أن إريتريا نشرتها، ووفق CNN تمتلك إريتريا جيشًا نظاميًا واسعًا يضم 200 ألف فرد.

 

وأضاف إن القوات الإريترية عبرت الحدود إلى إثيوبيا في بادمي وراما وزالامبيسا، وهي ثلاث بلدات حدودية في المنطقة الشمالية المضطربة.

 

ودعا رئيس تحرير جبهة تيجراي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى إدانة الاعتداءات للقوات الإثيوبية بالإقليم الذي يشهد اشتباكات بين الحكومتين الفيدرالية والمحلية.

 

 

وكشف دييرتسيون جيبريمكاييل، رئيس جبهة تيجراي، عن امتلاك الجبهة صواريخ بعيدة المدى، متعهدا باستخدامها عند الضرورة، واتهم إريتريا بحشد فرقا عسكرية على حدود الإقليم، مؤكدا القدرة على الصمود في الحرب الحالية حتى النهاية.

 

يأتى هذا في الوقت الذي نفت الحكومة الإريترية تورطها في الصراع وقال وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد "لسنا جزء من الصراع".

 

سفارة الولايات المتحدة في إريتريا قالت في بيان لها وفق CNN  "تقارير غير مؤكدة تشير إلى أن هناك عبوات ناسفة يعتقد أنها كانت في محيط مطار أسمرة الدولي". وأضاف البيان: "يُنصح جميع مواطني الولايات المتحدة في أسمرة بتوخي الحذر والبقاء في منازلهم والقيام بالسفر الضروري فقط حتى إشعار آخر".

 

كما ندد مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، تيبور ناجي، بالهجمات التي شنها إقليم تيجراي الإثيوبي على إريتريا المجاورة.

 

وقال تيبور ناجي على تويتر: "تستنكر الولايات المتحدة بشدة الهجمات غير المبررة التي شنتها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي على إريتريا ومحاولاتها لتدويل الصراع في تيجراي".

 

في سياق متصل، قالت مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy) الأمريكية إنه بينما يخوض رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حربا ضد حكام إثيوبيا السابقين -الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي– ستحدد مواقف وتحركات السودان المجاور ما إذا كان الصراع سيبقى شأنا محليا أم سيتطور إلى نزاع إقليمي.

 

وذكرت المجلة -في تقرير مطول من أديس أبابا- أنه ومنذ تمكّن الجبهة الشعبية الأسبوع الماضي من غُنْم معدات عسكرية والحصول على دعم نصف جنود الفرق الخمس التابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية بالقيادة الشمالية في تيجراي (حوالي 15 ألف جندي) زادت أهمية الإمدادات اللوجستية للجبهة والتي ستعتمد حتما على موقف السودان من الصراع.

 

 

وتؤكد أن لدى السودان اعتبارات إستراتيجية قد تدفعه لدعم -أو على الأقل الظهور بمظهر الداعم- للجبهة الشعبية في حربها ضد حكومة أديس أبابا.

 

فالخرطوم ورغم إعلانها إغلاق الحدود رسميا بين إقليم تيجراي والولايات الحدودية السودانية -كسلا والقضارف- وهما الممران اللوجستيان الوحيدان اللذان يربطان الإقليم بالعالم الخارجي، فإنها قد تستخدم ورقة التهديد بدعم الجبهة لانتزاع تنازلات من إثيوبيا بشأن "مثلث الفشقة" الحدودي المتنازع عليه.

 

وترى فورين بوليسي أن الخرطوم قد تستغل أيضا التلويح بدعم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من أجل تحقيق مكاسب في مفاوضاتها المتعثرة مع إثيوبيا بشأن تقاسم مياه النيل وسد النهضة.

 

لكنها ترى أن أي موقف سوداني داعم لجبهة تيغراي -المتمركزة في إقليم محاذٍ لإريتريا- ستحوّل الحرب الأهلية الدائرة حاليا إلى صراع طويل الأمد، وقد تكون تكلفته الإستراتيجية في علاقات الخرطوم مع أديس أبابا وأسمرا عالية جدا.

 

وتضيف أن المنطقة يمكن بسبب هذا الموقف أن تعود مجددا وبسرعة إلى حالة الصراع بالوكالة التي سبقت صعود آبي أحمد للحكم وانهيار نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، أو تفتح المجال لنزاع إقليمي أوسع.

                                 

في سياق متصل، سلم عشرة جنود أرتريين أنفسهم إلى السلطات السودانية بالمدخل الحدودي بين البلدين في ولاية البحر الأحمر بمنطقة عقيق؛ حسب مصدر مطلع تحدث لوكالة زاجل الأرترية للأنباء "زينا ".


وقال : إن الجنود الأرتريين سلموا أسلحتهم إلى السلطات السودانية التي استقبلتهم باعتبارهم حالة لجوء تستحق الحماية والاستقبال، وأكد المصدر أنه لا مخاوف من إعادتهم إلى السلطات الأرترية التي هربوا منها.


ونقلت "زينا " في وقت سابق من مصادرها الخاصة؛ أن ما يقدر بأربعين جنديًا انشقوا عن الجيش الإرتري وقد دخلوا السودان هاربين من المعارك التي تجري في إقليم التيجراي.

 

قصة الصراع في تيجراي

 

ويبلغ عدد سكان إقليم تيجراي، الذي يحده من الشمال إريتريا ومن الغرب السودان، حوالي خمسة ملايين نسمة، ويتمتع بحكم شبه ذاتي ضمن النظام الفيدرالي المتبع في إثيوبيا، ويحكم الإقليم جبهة تحرير تيجراي، ورئيسها جبرا ميكائيل.

 

وتعاني إثيوبيا أصلا من انقسامات عرقية وأزمات اقتصادية كبيرة منذ تسلم آبي أحمد السلطة قبل نحو عامين، ففي العام 2017 أجبر أكثر من مليون إثيوبي على النزوح لأسباب تتعلق بصراعات عرقية وأخرى ترتبط بموجات جفاف ونقص كبير في الغذاء والخدمات في بعض المناطق.

 

لكن آبي واجه اختبارا كبيرا، عندما سقط قرابة 240 قتيلا في أعمال العنف والاحتجاجات التي اندلعت في إثيوبيا في يوليو الماضي عندما اشتعلت اشتباكات عرقية على خلفية مقتل المغني الشعبي هاشالو هونديسا، الذي يعتبره الكثير من أفراد إثنية "الأورومو" التي ينتمي إليها آبي أحمد، صوتا لمعاناتهم من التهميش.

 

واندلعت تلك الاحتجاجات في العاصمة أديس أبابا وفي منطقة أوروميا المحيطة التي تتحدر منها أكبر قومية في البلاد والتي لطالما شعرت بأنها مهمشة ومضطهدة في البلد متعدد الأعراق، لكن الكثير من المراقبين يعتبرون أن الأزمة الحالية في إقليم تيجراي ربما تشكل اختبارا أكبر بالنسبة لآبي أحمد نظرا لتعقيداتها المحلية والإقليمية خصوصا لجهة تداخلاتها في العلاقة بين الجارتين السودان وإريتريا.

 

ويرجع تاريخ الأزمة داخل إثيوبيا، إلى أيام حكم منجستو هايلي ماريام ذو التوجهات اليسارية، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، والتي أدت لانتشار مجاعات متعددة فتكت بحوالي 8 ملايين من سكان البلاد، وقتها انطلقت المعارضة المسلحة لنظام منجستو، لكنها حتى 1988 كانت مثل الجزر المعزولة.

 

وظلت أشبه بالمجموعات المسلحة التي كانت تنتمي لقومية محددة تقاتل عبر عمليات صغيرة، والاستثناء الوحيد كان هو الجبهة الشعبية لتيجراي، حيث كانت أكثر تنظيما، ولديها تحالفات خارجية أبرزها التحالف مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا.

 

وفي عام 1988 عقد مؤتمر في منطقة ما داخل الأراضي السودانية، ضم ممثلين عن 14 تنظيما إثيوبيا مسلحا، وأعلنت هذه التنظيمات أنها ستقاتل موحدة لإسقاط منجستو، وأعطيت قيادة التحالف لتيجراي؛ لأن قواتهم كانت الأكثر تدريبا وتسليحا وتنظيما.

 

واستمر التحالف يقاتل على مدى 3 أعوام، وعندما اقترب من الإطاحة بمنجستو عام 1990 عقد مؤتمر لندن للمعارضة الإثيوبية برعاية أمريكية بريطانية من أجل تنظيم المجموعات المعارضة تحت لافتة واحدة، ليتفق المؤتمرون مجددا على قيادة التيجراي للتحالف على الرغم من وجود قيادات تقليدية لمجموعات قبلية بين المشاركين إضافة للقوات العسكرية والسياسية.

 

بعد أشهر قليلة دخلت قوات تحالف جبهة شعوب إثيوبيا، والتي ضمت وقتها 14 تنظيما، العاصمة أديس أبابا، واستولت على الحكم ونصب (تاميرات لاينه) رئيسا للبلاد في 28 مايو 1991 وهو من قومية التيجراي، ثم خلفه مليس زيناوي في 1995 عقب إجازة دستور جمهورية إثيوبيا الفدرالية.

 

وشغل زيناوي المنصب حتى وفاته عام 2012 ما جعل التيجراي يحكمون إثيوبيا على مدى أكثر من 20 عاما تحت راية تحالف يسيطرون على مفاصله، إضافة إلى أن مليس زناوي استطاع السيطرة على التناقضات داخل التحالف مما جعل حتى الذين يتذمرون من سيطرة التيجراي من المجموعات الأخرى يكتمون الأمر.

 

لم تطف الحالة الاحتجاجية على سيطرة التيجراي إلا بعد وفاة زيناوي وانتخاب سلفه هايلي مريام ديسالين، والذي ينتمي لمجموعة تحالف شعوب جنوب إثيوبيا.

 

وعقب تولي هايلي ماريام ديسالين للسلطة بدأت مجموعات عرقية، وعلى رأسها الأورومو -المجموعة العرقية التي تمثل حوالي 40% من سكان البلاد- التململ من طريقة تقاسم السلطة في الإطار المركزي.

 

ومثلت حادثة منح الحكومة المركزية لبعض من أراضي الأورومو (جنوب العاصمة أديس أبابا) لمستثمرين، الشرارة التي أطلقت احتجاجات شعبية ظلت تخمد وتصعد مرة أخرى خلال الأعوام من 2015 حتى 2017، الأمر الذي أجبر ديسالين على الاستقالة.

 

 

بدأت التحالفات تنسج لدعم المرشحين داخل المجلس المركزي للتحالف، المنوط به اختيار رئيس الوزراء، وفاجئت جبهة تحرير الأورومو الجميع بأنها عزلت رئيسها (لما مغرسا) وعينت مكانه العقيد السابق في استخبارات الجيش، آبي أحمد، الذي حصل على دعم الأمورو رغم معارضة التيجراي، وتصويت ممثليهم في المجلس ضده.

 

ووفق تقارير لوسائل إعلام عربية، فإنه ما إن صعد رئيس الوزراء الجديد حتى قدم نفسه رجلا إصلاحيا للعالم، فقام بإطلاق سراح عدد من المعتقلين السياسيين، وفتح للصحافة قدرا من الحرية، وشدد على أنه يريد محاربة الفساد، وأطلق على عام 2018 في إثيوبيا عام المصالحات.

 

وعقب سلسلة الإصلاحات التي أعلنها آبي أحمد، أعلنت المعارضة الإثيوبية في إريتريا التخلي عن المقاومة المسلحة، وتعليق أنشطتها العسكرية.

 

وقالت إن هذه الخطوة تأتي في إطار "الخطوات المشجعة"، التي اتخذها رئيس الوزراء الإثيوبي و"التطورات الإيجابية الكبيرة" التي أحدثها في البلاد.

 

وفي يوليو من العام 2011، رفع البرلمان الإثيوبي حركات المعارضة المسلحة "قنوب سبات" و"جبهة تحرير أورومو" و"جبهة تحرير أوغادين"، من لائحة المجموعات الإرهابية في البلاد التي أعلنتها الحكومة في يونيو 2011.

 

كما أقر البرلمان في جلسة استثنائية عقدت في 20 يوليو الماضي قانون العفو العام للأفراد والجماعات قيد التحقيق، أو المدانين بتهمة الخيانة وتقويض النظام الدستوري والمقاومة المسلحة.

 

وفي 9 سبتمبر، عاد إلى إثيوبيا برهانو نيقا "رئيس حركة قنبوت سبات" المعارضة، قادما من الولايات المتحدة، وبصحبته أكثر من 250 من قيادات وأعضاء الحركة، بعد نحو 13 عاما قضاها في قتال حكومة أديس أبابا انطلاقا من الأراضي الإريترية.

 

وقبل ذلك التاريخ بأسبوع، عاد مقاتلون من ائتلاف المعارضة الإثيوبية، المكون من حركة "قنبوت سبات" و"الجبهة الوطنية الإثيوبية" للبلاد.

 

وإضافة للمصالحة الخارجية مع الجارة إريتريا بعد قطيعة منذ 1998، تاريخ اندلاع الحرب بينهما نتيجة لنزاع على منطقة حدودية، والتي كانت من نقاط التحول في علاقة التيجراي مع آبي أحمد، جراء الخلافات العميقة بينهم وبين نظام الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا بقيادة أفورقي، والحرب التي شهدتها المنطقة الحدودية بين التيجراي وإريتريا، وإعلان آبي أحمد موافقته على تسليم إريتريا المنطقة المتنازع عليها في مثلث (بادمي)، تنفيذا لحكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 2002 واتفاقية صلح وقعت في العام ذاته بين الدولتين في الجزائر .

 

وبعد أشهر، تصاعد الخلاف بين آبي أحمد وإقليم تيجراي عندما أقر البرلمان بطلب من آبي أحمد تأجيل الانتخابات العامة التي كانت مقررة في يونيو 2020، وتمديد ولاية رئيس الوزراء التي انتهت في مايو، والتي كان من المقرر أن تجري في أغسطس الماضي، وهو ما اعتبره التيجراي غير دستوري، وأعلنت رئيسة البرلمان ثريا إبراهيم المنتمية للتيجراي استقالتها من منصبها خلال مهرجان خطابي أقيم في عاصمة إقليم تيجراي، وقالت "لست مستعدة للعمل مع مجموعة تنتهك الدستور، إنها دكتاتورية في طور التكوين".

 

وتبع استقالة إبراهيم استقالات أخرى، كما عقد حزب جبهة شعب التيجراي مؤتمره في يونيو 2020، وخلاله أعلن أنه سينظم الانتخابات في الإقليم بصورة منفردة كما هو مقرر في أغسطس الماضي، وطالب اللجنة المركزية للانتخابات الإشراف على انتخاباته.

 

وعقب تنظيمه لها ومشاركة حوالي 2,7 مليون ناخب فيها، رفضت الحكومة المركزية الاعتراف بها، واعتبرتها غير قانونية وغير دستورية، وردت حكومة إقليم تيجراي بأنها لا تعترف بالحكومة المركزية باعتبار أنها جسم غير دستوري.

 

ومثل قرار الحكومة المركزية في سبتمبر 2020 وقف التحويلات المالية منها إلى إقليم تيجراي أقصى أنواع التصعيد بين الطرفين، واعتبره الإقليم إعلانا للحرب عليه.

 

وفي الأسبوع الأخير من أكتوبر 2020 طالب إقليم تيجراي المجتمع الدولي بالتدخل لحل الأزمة، ثم ألحق ذلك بالإعلان أنه يتعرض لتهديد عسكري من الحكومة المركزية، والتي وصفت ما يجري في تيجراي بالتمرد.

 

وفي الثاني من نوفمبر الجاري بدأت الاشتباكات المسلحة بين الجانبين في ظل اتهام كل طرف للآخر ببدئها.

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق