كواليس الساعات العصيبة في واشنطن.. كيف فشل انقلاب ترامب قبل أن يبدأ؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

 

في مفاجأة غير متوقعة، انفجرت الأحداث على نحو متسارع واشنطن مخلفة 4 قتلى على الأقل، وعشرات المعتقلين والمصابين، في أعقاب اقتحام نادر الحدوث للكونجرس الأمريكي من قبل أنصار الرئيس الأمريكي الخاسر في الانتخابات الأمريكية لمنع إجراءات اعتماد فوز منافسه "جو بايدن" بانتخابات الرئاسة الأمريكية.


وصف المراقبون الأمريكيون ما جرى بأنها أعمال الشغب غير عادية للغاية لم تشهد لها الولايات المتحدة مثل هذا النوع منذ أن أراد المتظاهرون إنهاء الحرب مع فيتنام في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.


كشفت كواليس تلك الأحداث النادرة عن لعب جماعة “براود بويز” (Proud Boys) اليمينية المتطرفة، وزعيمها “إنريكي تاريو“، دور رأس الحربة في تلك العمليات التي وصفها سياسيون بأنها محاولة انقلاب مدبرة.


رغم تحذيرات ترامب بأن هناك مفاجآت سيشهدها يوم الأربعاء 6 يناير، فإن أحدا لم يتوقع أن تكون الأحداث على ذلك النحو، خاصة في ظل الضغوط التي يمارسها لتغيير نتيجة انتخابات جورجيا وحث النواب الأمريكيين على رفض نتيجة الانتخابات، ومطالبة نائبه “مايك بنس” بعدم التصديق على نتيجة الانتخابات.


كل ذلك دفع التوقعات إلى أن المفاجآت المتوقعة (من قبل ترامب) ستكون سياسية، وليس ميدانية وشعبية على ذلك النحو.


لكن رفض بنس ضغوط ترامب، باعتبار أنه لا يملك ذلك دستوريا أصلا، وخسارة الجمهوريين مقعدي جورجيا في مجلس الشيوخ جعلت من الواضح أن تنصيب بايدن سيمضي في طريقه، وهو ما طرح السيناريو غير المتوقع.


ورفض “بنس” علنا طلب ترامب، مؤكدا أنه لا يستطيع الخضوع لمطالب الرئيس الأمريكي دونالد بإسقاط نتائج الانتخابات الرئاسية التي أظهرت خسارته أمام جو بايدن.


وقال بنس إن “تقديري المدروس هو أن قسمي بدعم الدستور والدفاع عنه يمنعني من المطالبة بسلطة أحادية الجانب لتحديد الأصوات الانتخابية التي يجب احتسابها وأيها لا ينبغي“.


هاجم “ترامب” نائبه بعد أن أعلن الأخير رفضه إلغاء نتيجة الانتخابات، وقال في تغريدة عبر “تويتر“: لم يتحل مايك بنس بالشجاعة اللازمة لفعل ما كان ينبغي فعله لحماية بلادنا ودستورنا، مما أعطى الولايات فرصة للتصديق على مجموعة من الحقائق المصححة، وليس الحقائق المزورة أو غير الدقيقة التي طلب منها التصديق عليها مسبقا... الولايات المتحدة تطالب بالحقيقة“.


وكان ترامب قد قال إنه يأمل في أن يقوم مايك بنس بالعمل الصحيح لأنه لو فعل ذلك سنفوز بالانتخابات.


وأضاف: “على بنس حماية دستورنا وكل ما عليه فعله هو أن يطلب من الولايات إعادة النظر في التصديق على الانتخابات“.


استعدت شرطة العاصمة الأمريكية واشنطن لذلك اليوم بشكل مكثف، حيث أغلقت العديد من الطرق المحيطة بالكونجرس أمام حركة السيارات، وأقامت حواجز أمام المارة في محيط الكونجرس، وإن كان بشكل اعتيادي، خاصة أن المظاهرات المرتقبة لأنصار ترامب كان مكانها أمام البيت الأبيض، وليس الكونجرس.


رغم طلب عمدة واشنطن من وزارة الدفاع الأمريكية نشر الحرس الوطني، فإن القائم وزير الدفاع الأمريكي “كريستوفر ميللر” قد رفض طلب عمدة واشنطن بنشر الحرس الوطني، وذلك لأنه لا يملك السلطة الدستورية لذلك الطلب، كما أن ترامب امتنع عن إصدار أمر رئاسي بذلك.
مما زاد من الشعور باعتيادية الاحتجاجات أن أعدادها كانت أقل من مظاهرات سابقة نظمها أنصار ترامب، لكنها كانت على ما يبدو أكثر تنظيما واستعدادا بمخطط لوقف عملية تنصيب بايدن.


تحول الأحداث
في تحول درامي للأحداث، دعا “ترامب” أنصاره إلى التوجه إلى مبنى الكونجرس بدلا من البيت الأبيض، وبشكل مفاجئ، اندفع أنصاره في الشوارع باتجاه الكونجرس الذي كان قد بدأ جلسة التصويت على اعتماد نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.


كان من الواضح أن شرطة العاصمة واشنطن مذهولة، ولم تكن هناك سيناريوهات أو استعدادات لصد موجات المحتجين، على غرار الاستعدادات التي كانت مصاحبة لحركة “حياة السود قيمة” (Black Lives Matter)، وهو ما سمح للمحتجين (الذي بدا أنهم كانوا مستعدين لتلك اللحظة) باختراق الحواجز والوصول إلى مبنى الكونجرس.


رغم تعزيز قوات الشرطة تواجها أمام المدخل الرئيسي للكونجرس في محاولة لصد موجات المحتجين المندفعين، فإن أنصار حركة “براود بويز” انتزعوا حواجز الشرطة، واستخدموها كسلالم لدخول الكونجرس من الشرفات الجانبية المرتفعة، وهو ما جعل قوات الشرطة بين شقي الرحى.
لم يتردد المقتحمون في الوصول إلى هدفهم الرئيسي، وهو القاعة الرئيسية للكونجرس التي تشهد الاجتماع.


كان من الواضح أن الهدف هو تعطيل الجلسة، وربما إسقاط ضحايا في صفوف أعضاء الكونجرس (رئيس مجلس النواب نانسي بيلوسي خصوصا) بما يجعل اعتماد نتيجة الانتخابات مستحيلا، وتحويل الأمور إلى ما يشبه الفوضى، وحشد بقية أنصار ترامب للزحف إلى واشنطن، مما يسمح لـ“ترامب” بإعلان الأحكام العرفية وتعطيل نتيجة الانتخابات.


فشل خطة الانقلاب
صمدت أبواب الكونجرس، وشرطته أمام المحتجين لوقت كاف لإجلاء أعضاء الكونجرس من مخارج طوارئ جانبية، أو إيصالهم إلى أماكن آمنة، خاصة نائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس” ورئيس مجلس النواب “نانسي بيلوسي“.


إلى جانب القاعة الرئيسية، كان مكتب بيلوسي هدفا رئيسيا لأنصار ترامب، وأظهرت الصور صورة أحد أعضاء حركة “براود بويز” يجلس على مكتب رئيسة مجلس النواب واضعا قدمه على المكتب.


أغلقت الشرطة الأبواب المحكمة، وأطلقت النار باتجاه المحتجين الذين لم يكونوا فيما يبدو يتوقعون ذلك بعد الوصول السهل والاقتحام الآمن، مما جعلهم يتوقعون أن تسير جميع الأمور على المنوال ذاته.


شكل إجلاء جميع النواب إلى جانب نائب الرئيس ونانسي بيلوسي بأمان أول فشل في مسار خطة انقلاب ترامب.


انقسام الجمهوريين.. طعنة الظهر
فجرت تلك المشاهد غير المسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة مشاعر غضب متزايدة في أوساط الأمريكيين الذي عبروا عن صدمتهم وغضبهم مما يجري، بما في ذلك كثير من أنصار “ترامب” وأعضاء الحزب الجمهوري.


مشاعر الغضب التي عمت البلاد شجعت قيادات الحزب الجمهوري على كسر حاجز الخوف والترهيب الذي يمارسه ضده ترامب وتياره، وتحدث وزراء وحكام ولايات وقيادات في الحزب بشكل علني على رفض ما فعله أنصار ترامب، وحملوا الرئيس شخصيا مسؤولية ما جرى.


حتى اليوم الأخير، هدد جونيور ترامب (ابن الرئيس) أعضاء مجلس النواب الجمهوريون الذين لن يعترضوا على نتيجة الانتخابات الأمريكية بأنه سيتعقبهم هو وأنصار الرئيس المخلصون حتى داخل بيوتهم.


مارس ترامب وتياره إقصاء مضطردا لكل من لا يظهر ولاء علنيا تاما لهم، كما قام ترامب في شهره الأخير بإقالة وزراء لأنهم لم يظهروا تأييدهم التام له خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.


أسهم كل ذلك في اندفاع رموز التيار الجمهوري لإظهار تأييد ترامب، أو على الأقل الصمت والانزواء، ولم يحتفظ بمعارضة سياسات ترامب علنا إلا عدد قليل من الرموزا الكبار السابقين أو الذين لا يطمحون في رضا ترامب، مثل الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش“، والمرشح الرئاسي السابق “ميت رومني“.


لكن تلك المحاولة الرعناء دفعت حتى بعض الوزراء الأكثر إخلاصا لترامب، مثل وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” لإدانة تلك الاحتجاجات، ووصف اقتحام الكونجرس بأنه غير مقبول، بالإضافة إلى وزير العدل والقائم بأعمال وزير الدفاع ووزير الصحة وغيرهم.. كما استقال نائب مستشار الأمن القومي.


النواب الجمهوريون كانوا أعلى صوتا في رفض ما جرى صراحة، وعبر بعضهم عن أنه لم يعد يعتزم الاعتراض على نتائج أي من الولايات المتنازع عليها، ما يعني أن “ترامب” خسر مؤيديه، ولم يكسب معارضيه.


وقع نائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس” أمرا للحرس الوطني الأمريكي للانتشار في واشنطن لحماية مبنى الكونجرس، كما قررت ولايتا ميرلاند وفيرجينيا الملاصقتين للعاصمة إرسال وحدات من الشرطة لتعزيز شرطة العاصمة.. وأعلنت عمدة واشنطن حظر التجوال في المدينة.


شكل توقيع بنس لأمر انتشار الحرس الوطني بعيدا عن ترامب، وتشاوره مع أعضاء الحكومة وقيادات الكونجرس بعيدا عن الرئيس جرس إنذار لا يمكن إغفاله بأن نائب الرئيس المغضوب عليه من قبل “براود بويز” ربما يلجأ للتعديل 25 للدستور الأمريكي الذي يمكنه من عزل الرئيس فورا بموافقة أعضاء الحكومة.


دوليا أيضا، أعلن حلفاء ترامب المحسوبين على تياره الشعبوي إدانة تلك الخطوات، مثل رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون“، وهو ما عزز من عزلة "ترامب".


إعلان فشل الانقلاب
مع تعزيز القبضة الأمنية وغلق مداخل العاصمة وفرض حظر التجوال وحالة الغضب العارمة في الولايات المتحدة بات واضحا أن مددا من أنصار ترامب لن يأتي إلى واشنطن، وظهرت الجموع التي تتضاءل حول الكونجرس كما لو كانت محاصرة وليس لديها أي أوراق تصعيد.


بعدما بات واضحا أن ترامب يقف وحده مع مجموعة من المتطرفين المنبوذين شعبيا والذين تتضاءل أعدادهم، خرج ترامب أخيرا في مقطع فيديو مثير للجدل، بدا وكأنه يعلن أخيرا فشل محاولة انقلابه المستترة.


كان ترامب يسعى لإدارة الأمور من وراء ستار حشود مؤيديه من المسؤولين والحزبيين، لكن انسحابهم السريع ورفضهم لمخططاته فضح أنه الرأس الوحيد وراء ما جرى، وسارع “بايدن” لمطالبته بأن يظهر علنا على التليفزيونات ليطالب أنصاره بالانسحاب.


بدلا من الظهور أمام الإعلام في البيت الأبيض، اكتفى الرئيس (المحب للظهور الإعلامي) بمقطع فيديو مقتضب في حديقة جانبية للبيت الأبيض قال فيه إنه يحب أولئك المتظاهرين ويتفهم ألمهم لأن الانتخابات سرقت منهم، لكنه يحب السلام وإن عليهم العودة إلى منازلهم.


اعتبر ترامب كذلك أن ما جرى هو نتيجة طبيعية لسرقة الانتخابات من المواطنين المخلصين الشرفاء الذين عوملوا بشكل سيئ على مدى عقود.
أثار ذلك غضب الأمريكيين باعتباره تبريرا للعنف وتمسكا بمزاعم تزوير الانتخابات، رغم أنه تضمن مطالبة للمحتجين بالانسحاب.


أصر أعضاء مجلس الكونجرس فور تدخل الحرس الوطني وإخلاء الكابيتول من المحتجين على استكمال مهمتهم، بل سحب عدد من الجمهوريين اعتراضاتهم على نتائج بعض الولايات، مثل جورجيا على سبيل المثال، وواصل النواب الليل بالنهار لاعتماد النتيجة أخيرا.


شكل إعلان مجلس النواب لبايدن رئيسا المسمار الأخير في نعش محاولة ترامب الانقلاب، وأتمت الحلقة الأخيرة في إجراءات تنصيب بايدن، ولم يبق إلا موعد تسلمه السلطة ظهر يوم 20 يناير المقبل.


لكن تلك المحاولة تترك آثارا سياسية واضحة على الحزب الجمهوري بشكل خاص، وعلى الوضع السياسي الأمريكي بشكل عام، وعلى مستقبل “ترامب” السياسي هو وتياره بشكل أدق.


تاريخيا، لم يجر اقتحام الكونجرس على هذا النحو غير مرتين فقط تقريبا، كانت آخرها في 1 مارس 1954، عندما شهد الكابيتول حادثة إطلاق نار غير مسبوقة بتاريخ الولايات المتحدة حيث أطلق أربعة (فقط) من القوميين المنحدرين من أرخبيل بورتوريكو نحو 30 رصاصة نحو أعضاء مجلس النواب، وقد أدت الحادثة لإصابة خمسة نواب.


بعد هاتين الحادثتين، شهد الكونجرس محاولتي تفجير، لكن الاقتحام بتلك الأعداد الكبيرة من قبل مواطنين أمريكيين لم يحدث مطلقا.


كما حملت محاولة انقلاب ترامب رموزا ودلالات مؤرقة للأمريكيين، إذ ظهر أحد أعضاء “براود بويز” المتطرفة يحمل علم الكونفيدرالية، وهو العلم الذي كانت تحمله ولايات الجنوب إبان الحرب الأهلية الأمريكية رفضا للوحدة مع الشمال وتمسكا بالعبودية، ورفضا للمساواة.


حرص المحتجون المتطرفون كذلك بعد اقتحام مبنى الكونجرس على مطاردة شرطي من ذوي البشرة السمراء قبل أن يحتمي الأخير في إحدى القاعات، فيما بدا استهدافا عنصريا واضحا يفضح توجهات أنصار ترامب.

أخبار ذات صلة

0 تعليق