عبر وساطة أوروبا.. هل تنجح إيران في إعادة بايدن للاتفاق النووي؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

عاد الحديث مرة أخرى عن أحد أعقد الملفات التي تنتظر إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهي العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، ونقطة البداية في ذلك، إذ رسم وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الاثنين، طريقاً للتغلب على الجمود بين الولايات المتحدة وإيران في شأن من يبدأ أولاً في العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015.

 

وقال ظريف إن جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، يمكن أن "ينسق" هذه الخطوات.

 

ورداً على سؤال في مقابلة مع شبكة تلفزيون "سي أن أن" حول كيفية سد الفجوة بين واشنطن وطهران، قال ظريف "يمكن أن تكون هناك آلية تحدد إما تزامن (هذه الخطوات)، وإما تنسق ما يمكن القيام به".

 

وأشار ظريف إلى أن الاتفاق أوجد لجنة مشتركة منسقها هو مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وهو الآن جوزيب بوريل.

 

وقال ظريف إن بوريل "يمكنه القيام بنوع من تنسيق التحركات المطلوبة من الولايات المتحدة والأعمال التي يتعين على إيران القيام بها".

 

 

وتضم اللجنة إيران والدول الست الأخرى الأطراف في الاتفاق، وهي بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة.

 

وبموجب الاتفاق، وافقت إيران على تقييد برنامجها النووي، بطريقة تجعل تطوير سلاح نووي بالنسبة لها أمراً أكثر صعوبة، مقابل تخفيف العقوبات من جانب الولايات المتحدة وغيرها من العقوبات الاقتصادية.

 

وانسحب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018، وأعاد فرض العقوبات. وقال الرئيس الجديد جو بايدن إنه إذا عادت إيران للالتزام الصارم بالاتفاق فإن واشنطن ستفعل المثل.

 

ويفتح اقتراح ظريف للمرة الأولى المجال أمام آلية "متزامنة"، على الرغم من تشديده على أن الأمريكيين، الذين خرجوا من الاتفاق، يتعين عليهم أولاً "أن يبدوا حسن نيتهم".

 

وفي مقابلة أجرتها معه شبكة "أن بي سي" بُثّت الاثنين، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكن أن عودة إيران إلى الالتزام بمندرجات الاتفاق النووي تتطلب "بعض الوقت"، ثم "بعض الوقت" لكي تجري الولايات المتحدة "تقييماً لمدى وفاء الإيرانيين بتعهداتهم".

 

ورد نظيره الإيراني بالقول "ليست المشكلة بالتوقيت"، واعتبر أنه يمكن إعادة الالتزام بقيود معينة "في أقل من يوم"، وأن الالتزام "بقيود أخرى قد يتطلب أياماً أو أسابيع، لكن هذا الأمر لن يتطلب وقتاً أطول مما تحتاج الولايات المتحدة لتنفيذ المراسيم الرئاسية اللازمة" لرفع العقوبات.

 

 

ولفترة طويلة، ظلت أوروبا متمسكة بالاتفاق النووي مع إيران، رغم الاعتراضات الأمريكية المتواصلة.

 

وشكَلت الصفقة النووية منعطفًا مهما في مجرى العلاقة الأوروبية – الإيرانية، وكان لحكومات دولِ الترويكا الأوروبية (فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا) ونظيرتها الإيرانية إسهاماتٌ بارزة في تحديد معالم الاتفاق، والأخذ بالمفاوضات إلى بر الوئام، ولو لفترة قصيرة، حتى يتسنّى للطرفين قطف ثمارها السياسية والاقتصادية، رغم الاعتراضات والمناكفات التي باتت سمة العلاقة بين إيران وإدارة ترامب.

 

وهناك جملةً من المصالح الإستراتيجية والحيوية تحكُم العلاقة بين أوروبا وإيران، من بينها مصالح سياسية مرتبطة بموقع كل طرف في النظامين الإقليمي والدولي ومدى تأثيره، والعلاقات السياسية المتعلِّقة بمناطق تقاطُع النفوذ والتأثيرات المتبادلة، على وجه الخصوص في منطقة الخليج العربي، فضلًا عن المكاسب الاقتصادية التي برز حجمها من الاستثمارات الأوروبية في إيران عقب توقيع الاتفاق النووي.

 

وكذلك المصالح الاقتصادية الكامنة في المنطقة ككل، ودور إيران المؤثِّر على تدفُّق السِلع الإستراتيجية إلى أوروبا والعالم، ناهيك عن المصالح الإستراتيجية والأمنية، بوصف إيران قوّة إقليمية مؤثِّرة على الأمن والاستقرار الإقليميين، وصولًا إلى أوروبا، ومن ثم فكل تلك المكاسب قد تجعل أوروبا حريصة على ضمان تمرير الاتفاق النووي بسلام.

 

مراقبون يرون أن الملف النووي بالنسبة للطرفين الأوروبي والإيراني، اكتسب أهميةً كبيرة منذ توقيعه، حتى غدا المؤثِّر الأهم على مجمل العلاقات، لأنّه عد بمثابة مصلحة أمنية وإستراتيجية حيوية، بل ربّما مصيرية للجانبين. وقد كان ذلك سببًا في تمسُّك كل طرف بالحفاظ على الاتفاق، على الرغم من الانسحاب الأمريكي منه، والضغوط الكبيرة التي مارستها إدارة ترامب على الجانبين لدفعهما للانسحاب منه.

 

 

وبحسب وجهة النظر الأوروبية، الاتفاق النووي ذو أهمية فائقة باعتباره يرمي إلى حلحلة إحدى أخطر وأطول أزمات الانتشار النووي في الشرق الأوسط، والحيلولة دون تسابُق دول إقليمية على التسلُّح النووي.

 

ففي حال تطبيق القيود الفيزيائية وأحكام التطبيق المنصوص عليها في الاتفاق، تهدف الدول الأوروبية إلى ترحيل احتمالية تطوير قنبلة نووية إيرانية لفترة من الزمن، من خلال إعاقة إنتاجها لمواد قابلة للانشطار في مرافقها النووية المعلن عنها.

 

أما من جانب إيران، فقد كان الاتفاق طوق نجاة من العقوبات والحصار والعزلة، التي عانت منها خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد بين عامي 2005م و2013م، حيث اتّخذت القضية النووية بُعدًا صداميًّا مع المجتمع الدولي، في ظل امتناع إيران عن التفاوض مع فرض عقوبات أُممية على اقتصادها وهيئاتها المالية.

 

وشملت العقوبات تسعة قرارات أصدرها مجلس الأمن الدولي، وقرارًا عاشر صدر في عام 2013م، وحادي عشر صدر في عام 2014م، إضافة إلى ثلاثة عشر عقوبةً أحادية الجانب فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي خلال نفس الفترة.

 

وشكلت الظروف الاقتصادية خلال هذه الفترة، الباعث الرئيس على التغيُّر الطارئ في توجه إيران إزاء جلوسها على طاولة التفاوض، والمسوِغ الأهم لقبول ودعم المرشد الأعلى علي خامنئي سياسات رئيس الحكومة حسن روحاني العازمة على بحث سبل التفاوض مع القوى العالمية، ممثَّلةً في مجموعة 5+1، الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا.

 

وبحسب المعطيات، فإن إيران ابتدأت المفاوضات وهي بموقف ضعف، إلا أن مخرجات الاتفاق أثبتت لاحقًا أنها حولت القضية النووية إلى ورقة مساومة كبرى، نجمت عن تحقيقها لمكاسب سياسية واقتصادية وإقليمية.

 

وبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، فقد راهنت الأطراف الأوروبية على بقاء الصفقة بحكم شرعيتها الدولية، واستنادًا إلى شهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرِّية من أنّ الاتفاق يوفي بغرضه في السيطرة على طموح إيران النووي، ويقلِّص فرص تحوُّله إلى برنامج ذو استخدامات عسكرية.

 

 

ولمنع انهيار الاتفاق بشكل كامل عقب الانسحاب الأمريكي، تعهَّدت دول الترويكا الأوروبية والاتحاد الأوروبي بتقديم ضمانات كافية لإيران للاستمرار في الاتفاق، من أهمّ هذه الضمانات: حماية مبيعات النفط الإيرانية من العقوبات الأمريكية، ومواصلة شراء الخام الإيراني، والتزام البنوك الأوروبية بحماية التجارة مع إيران.

 

لم تدُم الحماسة الأوروبية المتمثِّلة في الضمانات والوعود، حتى تكشَّفت ملامح موقف أوروبي جديد مع بداية عام 2019م، وبالتحديد في البيان الذي صدر عن الاتحاد في 04 فبراير 2019م، والذي يشير إلى المخاوف الأوروبية المتعلِّقة ببرنامج الصواريخ البالستية، وتدخُّلات إيران الاقليمية، والتزام إيران بتعهُّداتها في إطار الاتفاق النووي، وكفّ الأنشطة العدائية لطهران في بعض العواصم الأوروبية.

 

وفي تطبيقٍ لسياسة العصا والجزرة، تمّ ربط إقرار تفعيل الآلية المالية «إنستيكس»، بتصديق النظام الإيراني على جميع لوائح مجموعة العمل المالي الدولية.

 

وما بين تحول الموقف الأوروبي وتهديد الجانب الإيراني بخرق التزامات الاتفاق النووي والعودة لتخصيب اليورانيوم، فإن دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما دول الترويكا الأوروبية الموقِّعة على الاتفاق، حرصت على استمرار التعاون مع النظام الإيراني، بُغية إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة، وبدت مظاهر هذا التعاون في اجتماعات اللجنة المشتركة للاتفاق النووي، والتي عقدت في فتراتٍ مختلفة خلال عام 2019م حتّى مارس 2020م.

 

 

وعلى خلفية تصاعد التوتر في الخليج العربي، وإعلان إيران عن خطّتها لتخفيض الالتزامات النووية، أوفدت فرنسا إيمانويل بون المستشار السياسي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى طهران للمرَة الثانية، ليقدم مُقترح «الوقف مقابل الوقف»، ويعني به وقف العقوبات مقابل وقف تخفيض الالتزامات النووية.

 

ومع الأخذ بالاعتبار موقف إيران الرافض للمُقترَح الفرنسي، إلا أن الإيرانيين سعوا إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمامه، باعتباره بوابة الدخول إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.

 

وعندما حاول الرئيس الفرنسي في نهاية شهر أغسطس الجمع بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وممثِّلي قمة مجموعة الدول السبع بمن فيهم الرئيس الأمريكي ترامب، ركب وزير الخارجية الإيراني طائرته على الفور من طهران إلى فرنسا لتحقيق هذا الهدف. لكن المحاولة لم تثمر عن لقاء الطرفين الأمريكي والإيراني، لرفض الجانب الأمريكي على ما يبدو لهذه المبادرة.

 

ولم يكتفِ الرئيس الفرنسي بالمحاولة السابقة، فأعاد الكرة، ولكن في سبيل الجمع بين رئيسي الحكومتين الأمريكية والإيرانية في اجتماعٍ غير رسمي بعيدًا عن رصد كاميرات الإعلاميين، خلال انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في شهر سبتمبر بنيويورك، إلّا أن محاولته باءت بالفشل هي الأُخرى، لأسبابٍ اُختُلِف في ماهيتها بين الطرفين الإيراني والأمريكي.

 

ومجددا رمت إيران وعبر قائد دبلوماسيتها جواد ظريف، بالكرة داخل الملعب الأوروبي، أملا في التوسط لإيجاد حل لإرجاع الاتفاق النووي الإيراني مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل قيادة الرئيس الجديد جو بايدن.

 

من جهته، قال نيسان رافاتي المحلل في مجموعة الأزمات الدولية: "تُظهر التوترات في الأيام الأخيرة أن الاتفاق يقف على حافة الهاوية".

 

ويقول رافاتي: "لا ينبغي بالضرورة معاودة البدء باتفاق جديد كليًا. يمكن لكل من فريق جو بايدن والإيرانيين استخدام النص الموجود بالفعل كأساس أولي لنزع فتيل النزاع".

 

وتقول إيلي جيرانمايه المحللة في مجموعة الأزمات الدولية: "من خلال الإجراء الأخير، توجه إيران رسالة إلى بايدن والعواصم الأوروبية مفادها أنها لن تقف مكتوفة الأيدي" وأنه يجب حل "النزاع النووي على نحو عاجل".

 

وتضيف: "إن الوقت ينفد، بالنظر إلى التأثير الكبير للعقوبات الأمريكية والعواقب الاقتصادية لوباء كوفيد-19، ناهيك عن اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية" في إيران.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق