السودان والتطبيع مع «إسرائيل».. البعد التاريخي والراهن السياسي (دراسة)

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

قبل أكثر من شهر، وقعت الحكومة الانتقالية في السودان على "اتفاق أبراهام" لتطبيع العلاقات مع إسرائيل خلال زيارة أجراها وزير الخزانة الأمريكي ستيفن مينوشين إلى السودان، في 6 يناير 2021، وفي الوقت نفسه، وقعت الحكومة على مذكرة تفاهم للحصول على "قرض تجسيري"، ستقوم بموجبه الولايات المتحدة الأمريكية بتسديد متأخرات السودان لمجموعة البنك الدولي..

 

اتفاق "أبراهام" والتي وقعت عليه الحكومة السودانية برئاسة عبد الله حمدوك، وبتوصية من المجلس العسكري السوداني، كشف الكثير من الألغاز والتي ظلت عالقة بأذهان الكثير منذ سنوات، بشأن تقارب تل أبيب والخرطوم مؤخرا.

 

وتناولت ورقة بحثية أجراها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، موقف حكومة السودان الانتقالية الحالية من مسألة التطبيع مع إسرائيل، والنتائج المترتبة على موافقة رئيسَي مجلسَي السيادة والوزراء السودانيَين على بيانٍ مشتركٍ يقضي برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بشرط أن يكون قرار الرفع مقرونًا بإجازة التطبيع مع إسرائيل. كما تتناول التداعيات المتوقعة لإجراءات التطبيع مع إسرائيل في السودان بعد فوز الرئيس الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

 

تاريخ العلاقات السودانية – الإسرائيلية

 

في البداية، فقد بدأت العلاقات التجارية بين السودان وفلسطين، حينما كانت الأولى خاضعة للاستعمار الإنجليزي (1898-1956)، والثانية تحت سطوة الانتداب البريطاني (1920-1948). وبعد إعلان قيام إسرائيل في 14 مايو 1948، حاولت مصر أن توقف هذه العلاقات التجارية، التزامًا بقرار جامعة الدول العربية الذي رفض الاعتراف بإسرائيل، وأعلن مقاطعتها سياسيًا وعسكريًا وتجاريًا.

 

 

وفي يوليو 1950، أجبرت السلطات المصرية باخرة إيطالية على تفريغ حمولتها من بذور القطن في ميناء بورتسودان؛ لأن البذور كانت مشحونة إلى إسرائيل، إلا أنّ الحكومة البريطانية اعترضت على ذلك الإجراء، محتجةً بأن السودان لم يكن تابعًا لدولة مصر.

 

بعد إعلان قيام إسرائيل في 14 مايو 1948، حاولت مصر أن توقف هذه العلاقات التجارية، التزامًا بقرار جامعة الدول العربية الذي رفض الاعتراف بإسرائيل، وأعلن مقاطعتها سياسيًا وعسكريًا وتجاريًا.

                                               

وأنّ اتفاقية الحكم الثنائي لسنة 1899 لا تسمح بذلك. واستنادًا إلى هذا المسوغ القانوني - السياسي، رفض السير روبرت جورج هاو، حاكم عام السودان (1947-1954)، طلب حكومة النحّاس باشا (1950-1952) قَطْع علاقات السودان التجارية مع إسرائيل. وبعد ثورة يوليو 1952، شهد السودان تحولات سياسية أفضت إلى توقيع اتفاقية 12 فبراير 1953 التي مهدت الطريق لاستقلال السودان، بإجراء انتخابات برلمانية عامة، تعقبها فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات.

 

وتمخضت نتيجة الانتخابات العامة لسنة 1953 عن فوز الحزب الوطني الاتحادي بأغلبية مقاعد مجلسَي النواب والشيوخ؛ الأمر الذي دفع غريمه، حزب الأمة، إلى التشكيك في نتائج الانتخابات، مدّعيًا أنها كانت مدعومةً ماليًا ودعائيًا من حكومة الثورة المصرية، التي كانت تخطط لإقامة وحدة اندماجية مع السودان.

 

وفي ردة فعل على فوز الوطني الاتحادي ورفض مشروع الوحدة الاندماجية مع مصر، سافر الصديق عبد الرحمن المهدي، رئيس حزب الأمة آنذاك، ومحمد أحمد عمر، رئيس تحرير صحيفة النيل الناطقة باسم الحزب، إلى لندن في يونيو 1954. وفور وصولهما، التقيَا سلوين لويد Selwyn Lloyd، وزير الدولة بوزارة الخارجية البريطانية، في 9 يونيو 1954، وعرضا عليه مطالب حزب الأمة المتمثلة في الآتي:

 

إلغاء الحكومة البريطانية للاتفاقية الإنجليزية - المصرية لسنة 1953 (اتفاقية الحكم الذاتي)؛ لأن الحكومة المصرية قد خرقت بعض بنودها في أثناء الحملة الانتخابية.

الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال ستة أشهر تحت إشراف دولي.

تعيين حكومة محايدة للإشراف على الانتخابات.

تسليم بريطانيا سلطاتها في السودان إلى الحكومة المنتخبة بعد إجراء الانتخابات.

 

 

بعد اجتماعهما مع لويد، التقى المهدي وعمر بمردخاي جازيت، السكرتير الأول في السفارة الإسرائيلية بلندن، وتحاورا معه بشأن إمكانية تمويل إسرائيل لحزب الأمة لمواجهة التدخل المصري في السودان، وذلك مقابل فتح قنوات تجارية مع السودان، لكسر الطوق العربي المفروض على "دولة العدو الصهيوني". وفي تلك الأثناء، صرح عبد الله خليل، سكرتير عام حزب الأمة، بأنهم سيتعاونون مع "الشيطان" لتحجيم النفوذ المصري في السودان، بحسب الورقة البحثية.

 

وفي الاجتماع الثاني الذي عقده المهدي وعمر مع وليم موريس، ممثل الخارجية البريطانية، أبدى عمر نوعًا من عدم الاهتمام بالدعاية المصرية ضد اتصالات حزب الأمة بإسرائيل، متعللًا بأن "الدول العربية لم تظهر أي تعاطف يُذكر مع تطلعات حركة الاستقلال السودانية. كما أنّ الإسرائيليين قد يستطيعون مساعدتهم بالدعاية لهم في أمريكا"، لتحقيق استقلال سوداني مجرد من قيود الهيمنة المصرية. ويقول موريس معلقًا على ذلك الاجتماع: "

 

وأكّد موريس أنّ المهدي كان متخوفًا جدًّا من تنفيذ مشروع التعاون مع إسرائيل؛ إذ أسرّ إليه قائلًا: "إنه لا يتوقع إتمام أي شيء مما سبق ذكره إلا إذا أصبحت الأمور ميؤوسًا منها في السودان".

 

وقال: أخبرني السيد الصديق في 5 يوليو [1954] أنّ أعضاء من السفارة الإسرائيلية قد اجتمعوا معه ومحمد أحمد عمر مرتين في سافوي، وقال بأن حزب الأمة مقتنع الآن بأنّ سودانًا مستقلًا يجب أن تكون له علاقات وطيدة مع بريطانيا، ولهذا فإنهم لا يريدون أن يفعلوا أي شيء خلف ظهورنا، ولهذا السبب، طلب مني أن أخبر المستر سلوين لويد عن هذه الاجتماعات، وقال بأن الإسرائيليين كانوا مهتمين جدًّا بـمشروع ’التعاون‘ مع حزب الأمة".

 

وفي الاجتماع الثاني، أفاد الإسرائيليون ممثلي حزب الأمة بأن حكومتهم قد وافقت على مشروع التعاون، وبموجب ذلك، اتفق الطرفان على مواصلة المحادثات في الخرطوم. ومن زاوية أخرى، أكّد موريس أنّ المهدي كان متخوفًا جدًّا من تنفيذ مشروع التعاون مع إسرائيل؛ إذ أسرّ إليه قائلًا: "إنه لا يتوقع إتمام أي شيء مما سبق ذكره إلا إذا أصبحت الأمور ميؤوسًا منها في السودان"، وذلك خلافًا لموقف زميله عمر الذي كان متحمسًا لتنفيذ مشروع التعاون مع إسرائيل.

 

وبعد لقاءات لندن، يشير أيان بلاك وبني موريس إلى محادثات سرية أخرى جرت في إسطنبول في  سبتمبر 1955 بين جوش بالمون (مستشار الشؤون العربية في مجلس الوزراء الإسرائيلي) وبعض قادة حزب الأمة الذين لم يفصح الكتاب عن أسمائهم، وفي تلك المحادثات عرض ممثلو حزب الأمة رغبتهم في تطوير علاقتهم مع إسرائيل، وذلك انطلاقًا من موقفهم المعارض للنفوذ المصري في السودان.

 

 

وقد أكّد ذلك موشيه شاريت في يومياته، حين تحدث عن محمد أحمد عمر، ممثل حزب الأمة في محادثات إسطنبول، ووصفه بأنه قد حاز إعجاب ديفيد هوروتس، مدير بنك إسرائيل المركزي. وبعد محادثات إسطنبول، دعا حوش بالمون محمد أحمد عمر إلى زيارة إسرائيل ومقابلة ديفيد بن غوريون في أغسطس 1956.

 

وفي أثناء تلك الزيارة التقى عمر بشاريت وجوش بالمون وزلمان في فندق دان بتل أبيب لمناقشة مستقبل العلاقات مع حزب الأمة. إذًا، حتّمت المصلحة السياسية المتبادلة بين الطرفين آنذاك وجود مثل هذه الاجتماعات بين إسرائيل وحزب الأمة، وكان آخرها الاجتماع الذي عقده عبد الله خليل، رئيس وزراء السودان آنذاك، مع جولدا مائير، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، في أغسطس 1957، بفندق بلازا أثيني في باريس؛ إلا أنّ توصيات ذلك الاجتماع واللقاءات السابقة له لم تتبلور في علاقات رسمية بين الطرفين، بل أضحت أثرًا بعد عين في جدول اهتمامات حزب الأمة اللاحقة.

 

بخلاف هذه اللقاءات والاجتماعات الفردية، يبدو أنّ حكومة السودان الائتلافية (حزب الأمة، وحزب الشعب الديمقراطي) لم تكن راغبة في إنشاء أي علاقات مع إسرائيل، والدليل على ذلك أنها أصدرت قانون مقاطعة إسرائيل في 15 يوليو 1958، وحظرت فيه على أي شخص "أن يعقد بالذات أو بالوساطة اتفاقًا من أي نوع مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل، أو مع هيئات أو أشخاص يعلم أنهم ينتمون بجنسيتهم إلى إسرائيل أو يعملون لحسابها".

 

 

كما شمل الحظر دخول البضـائع والسلـع والمنتجات الإسرائيلية المنقولة إلى السودان أو الاتجار فيها، سواء وردت تلك البضائع والسلع والمنتجات من إسرائيل مباشرة أو بطريقة غير مباشرة. وأقرَّت المادة 7عقوبة كل من يخالف نصوص القانون بـ "السجن لمدة تمتد لـ (10) سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معًا".

 

وفي عهد الحكومة الديمقراطية الثانية (1965-1969)، تُوِّج قانون مقاطعة إسرائيل بقرارات مؤتمر القمّة العربي الرابع، الذي عُقد في الخرطوم خلال الفترة 29أغسطس - 1 سبتمبر 1967. وقد وصف بعض الباحثين والسياسيين المؤتمر بأنه مؤتمر "إعلان الحرب ضد دولة إسرائيل"؛ ونعته فريق آخر منهم بمؤتمر الصمود العربي، أو اللاءات الثلاث "لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع العدو الصهيوني"، في حين آثر فريق ثالث وصْفه بمؤتمر الدعوة إلى إزالة آثار العدوان الإسرائيلي عن الأراضي العربية المحتلة بعد حرب يونيو 1967.

 

وقد يدرك المتمعن في محاضر هذا المؤتمر وقراراته أنّ الذين وصفوه بـ "مؤتمر إعلان الحرب ضد إسرائيل"، قد انطلقوا من نظرة استراتيجية - تبريرية لموقف إسرائيل الرافض للانسحاب من الأراضي العربية، بهدف مقايضة الأرض المحتلة بالسلام والاعتراف بحق إسرائيل في البقاء واستخدام الممرات المائية الدولية في الإقليم.

 

أما الذين نعتوه بمؤتمر الصمود العربي، فقد اكتفوا بالنظر إلى اللاءات الثلاث التي وُظِّفت لامتصاص الأزمة النفسية والسياسية التي أفرزتها هزيمة يونيو 1967.

 

 

أما الرأي الذي وصف المؤتمر بالدعوة إلى إزالة آثار العدوان الإسرائيلي عن الأراضي العربية، فقد اعتمد على الافتراضات التي روّجت لها الصحافة المصرية؛ لتسويق موقف الحكومة من قرار مجلس الأمن 242. لكن الحصيلة تتمثل في أنّ مؤتمر اللاءات الثلاث قد كان موقفًا تاريخيًا لحكومة السودان، وحاجزًا نفسيًا وأدبيًا حال دون إقدامها على إنشاء أي علاقات سياسية أو دبلوماسية مع إسرائيل. بيد أنّ هذا الحاجز، النفسي والأدبي، لم يكن موجودًا في جنوب السودان؛ إذ استعانت الحركات المسلحة بإسرائيل لمدها بالدعم العسكري والفني في أثناء حربها ضد حكومة الخرطوم العسكرية (1969-1985). وأخذ هذا التواصل مع إسرائيل شكلًا آخر، حينما سمح الرئيس جعفر محمد نميري (1969-1985)، في ثمانينيات القرن العشرين، بترحيل الفلاشا الإثيوبيين عبر الأراضي السودانية إلى إسرائيل، مقابل بعض المكافآت المالية التي قُدِّمت إلى حكومة السودان.

 

ومن جانب آخر، نلحظ أنّ إسرائيل كانت حريصة على خلق علاقات مباشرة مع الخرطوم، أو التدخل في الشأن السوداني عن طريق دعم الحركات المسلحة المعارضة لحكومة الخرطوم، وذلك في إطار سياستها الرامية إلى "شد الأطراف"، لإضعاف حكومة الخرطوم "الإسلامية" (1989-2019) ذات التوجهات المعادية لإسرائيل، أو إجبارها على التطبيع معها.

 

 

الحكومة الانتقالية (2019-2022) وسياسة التطبيع مع إسرائيل

 

قبل التحاق السودان بكل من دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين بتوقيعه رسميًا على "اتفاق أبراهام"، طرحت حكومة إسرائيل مبادرة التطبيع الإسرائيلية - العربية المدعومة من الرئيس الأمريكي، ترامب، في بداية عام 2020، وبدأت الخرطوم تتجاوب بسرية تامة مع ملف التطبيع الإسرائيلي، معتقدةً أنّ التطبيع سيفسح لها المجال لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

 

وتجسّدت عملية السرّية والارتباك السياسي في زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، إلى مدينة عنتيبي الأوغندية، في 3 فبراير 2020، لمقابلة بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل. وبعد انتهاء الزيارة مباشرة، نشر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تغريدةً على تويتر، جاء فيها: "التقى رئيس الوزراء نتنياهو اليوم رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في عنتيبي بأوغندا، بدعوة من الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، واتفقا على إطلاق تعاون سيؤدي إلى تطبيع العلاقات بين البلدين".

 

وعلّق على هذه التغريدة فيصل محمد صالح، وزير الثقافة والإعلام، والناطق الرسمي باسم الحكومة الانتقالية، قائلًا: "تلقينا عبر وسائل الإعلام خبر لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في عنتيبي بأوغندا، لم يتم إخطارنا أو التشاور معنا في مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء، وسننتظر التوضيحات بعد عودة السيد رئيس مجلس السيادة".

 

فور وصوله إلى الخرطوم، أصدر البرهان تعميمًا صحافيًا جاء فيه: "تمّ بالأمس لقاء جمعني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في يوغندا، وقد قمتُ بهذه الخطوة من موقع مسؤوليتي بأهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن الوطني السوداني، وتحقيق المصالح العليا للشعب السوداني، أؤكد على أنّ بحث وتطوير العلاقة بين السودان وإسرائيل مسؤولية المؤسسات المعنية بالأمر، وفق ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية،

 

 

وكشفت الدراسة بأن البرهان، أبان أنّ المحادثات التحضيرية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قد سبقت اللقاء بثلاثة أشهر، بهدف "رفع اسم السودان عن قائمة الإرهاب".

 

كما أؤكد على أنّ موقف السودان المبدئي من القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولته المستقلة ظل ومازال وسيستمر ثابتًا، وفق الإجماع العربي ومقررات الجامعة العربية".

 

كما أبان البرهان أنّ المحادثات التحضيرية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قد سبقت اللقاء بثلاثة أشهر، بهدف "رفع اسم السودان عن قائمة الإرهاب"، وأنه قد أخطر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قبل يومين من تاريخ اللقاء.

وفي ردة فعل على هذا التصريح، أصدر مجلس الوزراء بيانًا رسميًا، جاء فيه: "إن السيد رئيس الوزراء لم يكن على علمٍ بزيارة رئيس مجلس السيادة إلى عنتيبي، ولقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي، ولم يحدث أي إخطار أو تشاور في هذا الأمر".

 

كما أكّد البيان: "أنّ أمر العلاقات مع إسرائيل هو شأن يتعدى اختصاصات الحكومة الانتقالية ذات التفويض المحدود، ويجب أن ينظر فيها الجهاز التشريعي والمؤتمر الدستوري". وبعد ستة أشهر (18 أغسطس 2020) من تاريخ لقاء البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ظهر السفير حيدر بدوي صادق، الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية آنذاك، في إحدى القنوات الفضائية العربية، واصفًا ملف التطبيع مع إسرائيل بالغموض وعدم الشفافية، ومثمنًا ضرورة التطبيع مع إسرائيل.

 

ونتيجة لهذا التصريح، تمّ إعفاؤه من منصبه، بحجة أنّ الوزارة لم تكلفه بالإدلاء بـ "أي تصريحات حول السلام مع إسرائيل". وبعد هذا الحادث بأسبوع، زار بومبيو الخرطوم على متن طائرة قادمة من مطار بن غوريون، وأجرى مباحثات منفردة مع رئيس مجلس السيادة، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية المكلف.

 

 

وحينما انتهت الزيارة، أصدرت الحكومة السودانية بيانًا أوضحت فيه أنّ حمدوك قد ناقش مع بومبيو مسار العملية الانتقالية في السودان، والعلاقات الثنائية بين البلدين، ومساعي رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. كما أوضح البيان أنّ المرحلة الانتقالية في السودان يقودها تحالف عريض بأجندة محددة لاستكمال عملية الانتقال، وتحقيق السلام والاستقرار في البلاد، وصولًا إلى انتخابات حرة ونزيهة، وأنّ الحكومة الانتقالية لا تملك تفويضًا يتعدى هذه المهمات للتقرير بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأنّ هذا الأمر يتم البت فيه بعد إكمال أجهزة الحكم الانتقالي. وفي البيان نفسه، دعا حمدوك الإدارة الأميركية إلى ضرورة الفصل بين عملية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

 

وفي ظل هذا الموقف الضبابي في الخرطوم، وقّعت الإمارات العربية المتحدة والبحرين "اتفاق أبراهام" للسلام مع إسرائيل في واشنطن في 15 سبتمبر 2020. وبعد خمسة أيام، زار وفد سوداني أبوظبي بقيادة رئيس مجلس السيادة؛ بهدف إجراء "مباحثات مشتركة مع القيادة الإماراتية، متعلقة بكافة القضايا الإقليمية المرتبطة بالشأن السوداني"، كما أنّ الوفد المرافق لرئيس مجلس السيادة سيتفاوض مع نظيرة الأميركي في "رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ودعم الفترة الانتقالية، وإعفاء الديون الأمريكية على السودان، وحث باقي الدول الصديقة على اتخاذ خطوات جادة في إعفاء الديون".

 

ولم يشر التصريح الصادر من إعلام مجلس السيادة إلى قضية التطبيع مع إسرائيل. وظل الموقف على هذا الغموض، إلى أن غرّد ترامب على تويتر، موضحًا أنّ البيت الأبيض على استعداد لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إذا دفع السودان مبلغ 335 مليون دولار أمريكي تعويضات للضحايا الأميركيين في تفجير سفارتَي الولايات المتحدة في كل من نيروبي (كينيا) ودار السلام (تانزانيا) في عام 1998، وتفجير المدمرة "يو إس إس كول" قبالة ميناء عدن في عام 2000. ردّ حمدوك على تغريدة ترامب قائلًا: "الشكر الجزيل للرئيس على تطلعه إلى إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، وهو تصنيف كلف السودان وأضر به ضررًا بالغًا.

 

إننا نتطلع كثيرًا إلى إخطاره الرسمي للكونجرس بذلك". ثم ختم تغريدته بقوله: "إننا إذ نقترب اليوم من التخلص من أثقل تركة من تركات النظام المباد، نؤكد مرة أخرى أنّ الشعب السوداني شعب محب للسلام، ولم يكن أبدًا يومًا مساندًا للإرهاب.

 

 وفي خطاب تلفزيوني للشعب السوداني، أكّد حمدوك أنّ المبلغ المشار إليه قد تمّ تحويله إلى حساب خاص، وبموجب ذلك يجب أن يصدر الرئيس الأمريكي قرارًا بإسقاط اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم يرفع ذلك القرار إلى مجلس الشيوخ للتصديق عليه، من دون أدنى إشارة إلى قضية التطبيع مع إسرائيل.

 

وبعد أقل من ثلاثة أيام من خطاب رئيس الوزراء السوداني، أعلنت إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية أنّ وفدًا إسرائيليًا زار الخرطوم سرًّا، وتباحث مع مسؤولين سودانيين عن أمر التطبيع مع إسرائيل، علمًا أنّ الحكومة السودانية لم تُشِرْ إلى هذه الزيارة من قريب أو بعيد.

 

وفي تلك الأثناء، أعلن وزير الخارجية الأمريكية أنّ البيت الأبيض يسعى "لإزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب، ويأمل أن تسرع الخرطوم في بناء علاقات مع إسرائيل".

 

وفي 22 أكتوبر 2020، عقد الرئيس ترامب اجتماعًا مشتركًا مع رئيس وزراء إسرائيل ورئيسَي مجلسَي السيادة والوزراء السودانيَين عبر الهاتف، وأصدر بيانًا مشتركًا جاء فيه: "وبعد قرار الرئيس ترامب بإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على الشراكة مع السودان في بدايته الجديدة وضمان اندماجه بالكامل في المجتمع الدولي، واتفق القادة على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وإنهاء حالة العداء بين بلديهما. بالإضافة إلى ذلك، اتفق القادة على بدء العلاقات الاقتصادية والتجارية، مع التركيز الأولي على الزراعة.

 

وبهذا البيان المشترك، أضحى جليًا أنّ التعويضات الأمريكية ليست الشرط الوحيد لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل إنّ عملية التطبيع مع إسرائيل شرط أساس، وبذلك نُزع "الغطاء الأخلاقي" الذي تدثّر به حمدوك، حينما أعلن أنّ إدارته قد نجحت في فصل مسار رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عن قرار التطبيع مع إسرائيل.

 

 

يقودنا هذا السرد المفصل لوقائع تعامل حكومة السودان الانتقالية مع ملف التطبيع الإسرائيلي إلى النتائج الآتية:

 

إنّ الحكومة الإسرائيلية قد أفلحت في ربط ملف رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بملف التطبيع معها، كما أنها وجدت تأييدًا في هذا الشأن من الولايات المتحدة والإمارات.

ويبدو أنّ إسرائيل كانت ترى أنّ قضية التطبيع مع السودان ستمكنها من تحقيق هدفين. يتمثل أحدهما في تجريد الموقف السوداني تجاه القضية الفلسطينية من بعده التاريخي، القائم على لاءات قمة الخرطوم الثلاث. والدليل على ذلك، أنّ نتنياهو عقب توقيع البيان المشترك، في 22 أكتوبر 2020، صرح قائلًا: "ولكن اليوم الخرطوم تقول نعم: نعم للسلام مع إسرائيل، نعم للاعتراف بإسرائيل، ونعم للتطبيع مع إسرائيل".

                                                                                       

ويتجسد الهدف الثاني في اعتقاد الحكومة الإسرائيلية أنّ إفراغ موقف الخرطوم من محتواه التاريخي سيدفع دولًا عربية وإسلامية أخرى إلى التطبيع مع إسرائيل.

 

إنّ قضية الربط بين الرفع والتطبيع قد تمّ تسويقها إلى البرهان، ووجدت عنده قبولًا واستحسانًا، وإنّ حمدوك لم يكن رافضًا قضية التطبيع مع إسرائيل من حيث المبدأ؛ لكنه كان مدركًا موقف الحاضنة السياسية الرافض لعملية الربط بين الرفع والتطبيع، كما أنّ الوثيقة الدستورية لا تمنحه مثل هذا التفويض.

 

إنّ إدارة الرئيس ترامب مارست ضغطًا وابتزازًا سياسيًا على حكومة السودان، حينما ربطت ملف رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بتعويضات ضحايا أحداث تفجير السفارتين الأمريكيتين بدار السلام ونيروبي، وتفجير المدمرة الأمريكية كول من ناحية، وبملف التطبيع مع إسرائيل من ناحية أخرى..

 

وتتمثل الناحية الأولى للابتزاز في استغلال الوضع الاقتصادي المنهار الذي تعانيه الحكومة الانتقالية السودانية، وتتجسّد الناحية الثانية في توظيف ملفَي التعويضات والتطبيع مع إسرائيل لإقناع الناخب الأمريكي بالتصويت للرئيس ترامب لولاية ثانية، من دون اعتبارٍ للشروخ التي سيحدثها قرار التطبيع في بنية الحكومة الانتقالية في السودان، وصَرْفها عن التركيز على مهماتها الدستورية المرتبطة بإحداث الانتقال الديمقراطي إلى الانغماس في الصراعات السياسية الثانوية مثل قضية التطبيع مع إسرائيل.

 

ما مواقف القوى السياسية في السودان من التطبيع مع إسرائيل؟

 

انقسم الشارع السوداني بشأن التطبيع مع إسرائيل إلى ثلاثة تيارات رئيسة. أولها التيار الرافض للتطبيع مع إسرائيل من حيث المبدأ، ويمثله حزب الأمة القومي، والحزب الشيوعي السوداني، والأحزاب السياسية ذات النزعة العروبية، وبعض الأحزاب الإسلامية.

يرى أنصار هذا التيار أنّ التطبيع مع إسرائيل فيه خيانة لمبادئ الثورة التي تنادي بالحرية والسلام والعدالة، وأنّ فيه تنصّلًا من الموقف السوداني التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية. ويؤكد ذلك البيان الذي أصدره الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، رافضًا فيه بيان التطبيع الذي اشترك في إصداره "ممثلون لأجهزة السلطة الانتقالية مع رئيس أمريكي منتهية ولايته، وهو يجسد العنصرية ضد الأمة الإسلامية، والعنصرية ضد الأمة السوداء؛ ورئيس دولة الفصل العنصري المتحدي للقرارات الدولية والمخالف للقانون الدولي بضم أراضٍ محتلة".

 

ويصف المهدي البيان بأنه "يناقض القانون الوطني السوداني، والالتزام القومي العربي، ويساهم في القضاء على مشروع السلام في الشرق الأوسط، وفي التمهيد لإشعال حرب جديدة، ويناقض المصلحة الوطنية العليا، ويناقض الموقف الشعبي السوداني في أي اختبار حر للإرادة الوطنية، ويتجاوز صلاحيات الفترة الانتقالية".

 

 

وعلى النسق ذاته يأتي موقف تحالف قوى الإجماع الوطني الذي اتهم السلطة الانتقالية بانتهاك الوثيقة الدستورية، ووصف التطبيع مع دولة "الكيان الصهيوني" بأنه خروج "على ثوابت السودان في دعم حقوق الفلسطينيين".

وأعلن التحالف رفضه "الصفقات السرية"، التي عُقدت في الخفاء من دون استشارة الشعب السوداني، وفي ظل غياب المؤسسة التشريعية المنتخبة.

 

ويمثل التيارَ الثاني الذين يؤيدون التطبيع مع إسرائيل وفق رؤية سياسية وأخرى نفعية. تتمثل الرؤية السياسية في ضرورة الخروج على "الهيمنة العربية التاريخية على القرار السياسي السوداني"، وبذلك تجسِّد عملية التطبيع في نظر هذا التيار خطوة تجاه "استعادة الهويّة السودانية المضيَّعة".

وتتبلور الرؤية النفعية في أنّ التطبيع مع إسرائيل سيمكِّن السودان من تأسيس شراكات ذكية في المجال التجاري والزراعي والتقني مع إسرائيل، وبذلك يستطيع السودان الخروج من أزمته الاقتصادية ويؤسس لمستقبل أفضل.

 

ويمثل التيارَ الثالث بعضُ القوى السياسية التي تؤيد التطبيع مع إسرائيل من حيث المبدأ، ولكنها ترفضه من حيث الإجراءات السرية التي اتبعها المفاوض السوداني، بتعلة أنّ فيها ابتزازًا سياسيًا لسلطة الحكومة الانتقالية، التي لم تكن مفوضةً دستوريًا أو سياسيًا حتى تفتي في قضية التطبيع مع إسرائيل.

 

التداعيات المتوقعة من التطبيع

 

وفقًا لقراءة المشهد السياسي الراهن في السودان، من المتوقع أن يُحدث قرار التطبيع مع إسرائيل شروخًا في بنية الحكومة الانتقالية، ولا سيما أن توقيع الحكومة على الاتفاق يوم 6  يناير، جاء قبل إجراء الانتخابات البرلمانية العامة، وقيام حكومة منتخبة بالنظر في قضية التطبيع قبولًا أو رفضًا، كما صرّح حمدوك في أكتوبر الماضي، بمعنى أنّ بعض الأحزاب السياسية المعارضة للتطبيع مع إسرائيل قد أعلنت صراحة خروجها من قوى إعلان الحرية والتغيير، المساندة للحكومة الانتقالية، وهو الأمر الذي يسهم في خلق تحالفات سياسية جديدة داخل المشهد السياسي السوداني، تفسح المجال لظهور قوى الثورة المضادة إلى الواجهة السياسية.

 

فالقوى المضادة للثورة يمكنها أن تستغل تناقضات المعارضة والتأييد لسياسة التطبيع، من أجل إسقاط الحكومة الانتقالية الحالية، واستبدالها بحكومة أخرى تخدم مصالح هذه القوى السياسية، أو على أقل تقدير تصرفها عن مهماتها الأساسية المتمثلة في إحلال السلام المستدام، وحل الأزمة الاقتصادية، وإعادة هيكلة المؤسسات المدنية والعسكرية الموروثة من النظام السابق، وتهيئة البيئة السياسية لإحداث تحوّل ديمقراطي حقيقي في السودان.

 

ويعني إبعادها عن هذه الأولويات دخولَها في صراعات جانبية لا تندرج في قائمة استحقاقات الثورة المركزية. ولذلك وصف الباحثان جفري فلتمان وبيتون نوف دعوة الولايات المتحدة الحكومة السودانية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بـ "اللعبة الخطرة"؛ لأنها من وجهة نظرهما ستهدد استمرارية الحكومة الانتقالية، وتفسح المجال لعودة فلول النظام القديم إلى السلطة، وهو الأمر الذي لا يخدم مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في الإقليم.

 

في المقابل، قد يعطي توقيع السودان "اتفاق أبراهام" ضمانًا لاستمرارية الحكومة الانتقالية، ويدفعها صوب تحقيق أولويات الفترة الانتقالية المشار إليها من قبل.

 

وترتبط فرص نجاح هذا في المقام الأول بقدرة الحكومة الانتقالية على تحسين الأوضاع الاقتصادية في السودان، وجاهزيتها لتنفيذ اتفاقيات سلام جوبا لسنة 2020 على أرض الواقع، فضلًا عن إقناع عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة تحرير السودان، وعبد العزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال، بالالتحاق بركب السلام والعمل على إقرار الأمن والاستقرار في السودان.

 

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق