خامنئي وبايدن يصعدان.. الاتفاق النووي الإيراني يدخل «الإنعاش»

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

مع بداية حكم تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة، جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وبعد أن كان العالم أجمع يتصور أن الملف النووي الإيراني قارب عل الانتهاء بعد رحيل دونالد ترامب عن البيت الأبيض، إلا أن الأيام القليلة الماضية أثبتت أن الأمور تسير عكس هذه الاتجاه.

 

فقد أكد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي الأحد أن إيران لن تستأنف التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، قبل رفع العقوبات الاقتصادية التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على طهران بعد قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق.

 

وقال خامنئي في كلمة متلفزة أثناء استقباله قادة القوة الجوية للجيش "إذا أرادوا عودة إيران إلى التزامات الاتفاق النووي، على الولايات المتحدة أن ترفع العقوبات بشكل كامل، وليس فقط بالكلام أو على الورق".

 

الأمر الذي رد عليه الرئيس الأمريكي جو بايدن بالقول في مقابلة بثت الأحد: إنه لن يرفع العقوبات المفروضة على ايران ما دامت لا تحترم التزاماتها في الملف النووي.

 

وردا على سؤال لشبكة "سي بي أس" عن إمكان رفع العقوبات لإقناع طهران بالعودة الى طاولة المفاوضات بهدف إنقاذ الاتفاق النووي، أجاب بايدن "كلا". وعندما سألته الصحفية عما إذا كان على الإيرانيين أن "يوقفوا أولا تخصيب اليورانيوم" هز برأسه إيجابا.

 

كما تطرق الرئيس الأمريكي إلى ملف الصين وأكد أن الخصومة بين الولايات المتحدة والصين ستتخذ شكل "منافسة قصوى" مع تأكيده أنه يريد تجنب أي "نزاع" بين أكبر قوتين اقتصاديتين.

 

وأوضح بايدن أنه لم يتحدث بعد إلى نظيره الصيني شي جينبينغ ملاحظا أن ليس هناك "أي سبب لعدم الاتصال به"، لكنه اضاف "إنه (شي) قاس جدا. ليس هناك ذرة من الديمقراطية في شخصه، ولا أقول ذلك من باب الانتقاد، إنها الحقيقة فقط".

 

أنقاذ الاتفاق

عكست دعوة وزير الخارجية الإيرانى جواد ظريف الاوروبيين إلى إنقاذ الاتفاق النووى الإيراني، إلى أى حد أصبح هذا الاتفاق عمليا فى حكم المنتهي، وأنه مجرد اتفاق نظرى ولم يعد فى الإمكان إحياؤه مرة أخرى.

 

العودة المشروطة التى اتبعتها أمريكا وإيران قضت على الآمال التى عقدها الكثيرون على إمكانية إنقاذ الاتفاق بعد رحيل إدارة الرئيس ترامب وقدوم إدارة الرئيس بايدن التى أطلقت وعودا كثيرة بالعودة إلى الاتفاق وتبنى نهج الحوار.

 

فقد اشترطت إدارة بايدن للعودة للاتفاق، تنفيذ إيران التزاماتها كاملة، والعمل على التفاوض على اتفاق نووى جديد يراعى عيوب وثغرات الاتفاق السابق، وربط الملف النووى الإيرانى ببرنامجها الصاروخى الباليستى ودورها فى زعزعة الاستقرار ودعم الإرهاب فى المنطقة، وهو ما عبر عنه أكثر من مرة الرئيس بايدن ووزير خارجيته انتونى بلينكن ومستشار الأمن القومى جيك سوليفان الذى اعتبر أن امتلاك طهران السلاح النووى بات قريبا.

 

وهذه الشروط الأمريكية لا تختلف فى جوهرها عن شروط ومطالب إدارة ترامب التى فرضت 12 شرطا للعودة للاتفاق النووى وتناولت الربط بين الملفات الثلاثة النووى والباليستى ودور إيران فى دعم الإرهاب فى المنطقة، واستخدمت إستراتيجية أقصى الضغوط من خلال العقوبات الاقتصادية لدفع إيران نحو الحوار معها لإبرام اتفاق جديد.

فى المقابل فإن المشروطية الإيرانية تضع العربة أمام الحصان، حيث اشترط المسئولون الإيرانيون العودة للاتفاق بعدة شروط هى رفع العقوبات الأمريكية أولا، وثانيها عدم الربط بين الملفات ورفض مناقشة أو التخلى عن برنامجها الصاروخى الباليستى ودورها فى المنطقة والتى استثمرت فيهما مليارات الدولارات فى السنوات الماضية ومن الصعب التضحية بهما.

 

بل واتبعت طهران إستراتيجية التحرك للأمام من خلال زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم لأكثر من 20% والتحلل تقريبا من التزاماتها الرئيسية فى الاتفاق، بعد أن قامت فى السابق بزيادة عدد أجهزة الطرد المركزى وتشغيل أجهزة طرد حديثة وإعادة العمل فى المفاعلات النووية ومنها منشأتا نظانز وفوردو، وذلك لاستخدامها كأوراق تفاوضية والضغط على واشنطن والأوروبيين للعودة للاتفاق الحالي.

 

الدور الأوروبي

هذه العودة المشروطة للاتفاق النووى أشبه بالجدل البيزنطى من يقدم أولا على الخطوة الأولي، وبالتالى الدوران فى الحلقة المفرغة، والرهان أصبح بشكل كبير على الجانب الأوروبى للقيام بدور اسماه جواد ظريف العودة المتزامنة، أى أن تقوم كل من واشنطن وطهران بالتزامن باتخاذ خطوات للعودة للاتفاق مثل رفع العقوبات وتراجع ايران عن انتهاكاتها بنود الاتفاق النووي.

 

لكن المشكلة أنه عمليا أصبح الاتفاق النووى كمريض فى غرفة الانعاش يحتاج إلى معجزة لإنقاذه، فالاتفاق انهار فعليا منذ أن انسحب الرئيس ترامب منه فى مايو 2018 وتبنى بعدها إستراتيجية أقصى الضغوط عبر فرض حزم متعددة من العقوبات التى طالت كل أوجه الاقتصاد الإيراني.

 

ومن الصعب على الرئيس بايدن التراجع عنها بشكل كامل بل سيوظفها كورقة ضغط على الإيرانيين فى أى مفاوضات مستقبلية وربطها بمدى التزام إيران بعدم التخصيب وبقبول التفاوض حول اتفاق جديد أو تعديل هذا الاتفاق وهو ما رفضته إيران التى بدورها تحللت من غالبية التزاماتها فى الاتفاق النووى وهو ما سيعقد من مهمة بايدن فى الحوار والعودة للاتفاق.

 

أما الجانب الأوروبى فقدرته على الوساطة أصبحت محدودة فى ظل تناقض الموقفين الأمريكى والإيراني، كذلك انقسام مواقف دولة خمسة زائد واحد، ما بين الصين وروسيا اللتين تدعمان الموقف الإيراني، وما بين موقف بريطانيا وألمانيا وفرنسا، التى تتقارب مع الموقف الأمريكى وتؤيد عملية تعديل الاتفاق الإيرانى وربطه بالملفات الأخرى خاصة الباليستى ودور إيران الإقليمي.

 

كما أن المصالح الاقتصادية هى التى حكمت مواقف دول الاتفاق فى السابق حيث استفادت روسيا والصين بشكل أساسى من اتفاق عام 2015 ورفع العقوبات حيث أبرمت صفقات اقتصادية وعسكرية ضخمة مع إيران، بينما فقدت أوروبا تلك المزايا الاقتصادية نتيجة للعقوبات الأمريكية وانسحاب الشركات والاستثمارات الأوروبية من السوق الإيرانية، وهو ما سيدفع أوروبا للاصطفاف إلى جانب الموقف الأمريكى بحثا عن المزايا الاقتصادية المستقبلية.

 

إشراك دول المنطقة خاصة الدول الخليجية فى أى مفاوضات حول اتفاق نووى جديد أصبح أيضا أبرز الشروط المهمة لإحياء الاتفاق النووي، فالدول الخليجية لديها مخاوف حقيقية من مساعى ايران لامتلاك السلاح النووي، كما أنها تضررت بشكل كبير من دور إيران المزعزع للاستقرار فى المنطقة ودعمها أذرعها الإرهابية فى العراق وسوريا واليمن ولبنان.

 

كما تضررت من برنامجها الباليستى حيث زودت طهران ميليشيا الحوثى الانقلابية فى اليمن بتلك الصواريخ التى استهدفت بها أمن المملكة العربية السعودية. ولاشك أن إدارة بايدن، على عكس إدارة أوباما، كذلك الجانب الأوروبي، يتفهم هذه المشاركة الخليجية فى أى ترتيبات مستقبلية بشأن الاتفاق النووى الإيراني.

إنقاذ الاتفاق النووى مرهون فقط بالسلوك الإيرانى وبإحداث تغيير حقيقى فى السياسات من خلال وقف عملية التخصيب والالتزام الكامل ببنود اتفاق 2015 ووقف دعم إيران للإرهاب والتدخل فى شئون الدول العربية وتحجيم برنامجها للصواريخ الباليستية، ودون ذلك من الصعب إنقاذ الاتفاق النووى الإيرانى.

أخبار ذات صلة

0 تعليق