جدار الخوف يتهاوى.. «الأصابع الثلاثة» تواجه جنرالات بورما

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

واصل عشرات آلاف البورميين التظاهر والنزوع إلى الشوارع لليوم الخامس على التوالي غداة اقتحام الجيش مقر حزب "أونغ سان سو تشي" في رانغون في خطوة تظهر تصميم جنرالات الانقلاب على مواجهة الدعوات لإعادة النظام الديموقراطي.

 

وتجمعت الحشود في مواكب عدة بعد ظهر اليوم الأربعاء، بحسب مختلف التقديرات، في وسط رانغون عاصمة البلاد الاقتصادية، ولوحت المتظاهرون بالتحية الثلاثية الأصابع التي باتت شعار المظاهرات المناهضة للانقلاب، في أجواء متوترة فيما تجاوز القمع عتبة جديدة أمس الثلاثاء.

 

وقال كياو كياو وهو موظف في فندق لوكالة فرانس برس "سنقوم بكل شيء لرفض الحكومة العسكرية". من جهته أكد الطالب كين ناين واي "لا نريد البقاء في ظل الديكتاتورية. لقد انتابني بعض الخوف أيضا بعد القمع بالأمس".

 

ونظمت تظاهرة أيضا في نايبيداو، العاصمة الإدارية لبورما في وسط البلاد، ضمت آلاف الأشخاص. في ولاية كاياه بشرق البلاد انضم شرطيون الى التظاهرات بحسب وسائل إعلام محلية.

الخوف من القمع

ورغم التظاهرات فإن الخوف من أعمال انتقامية لا يزال كبيرًا في البلاد التي عاشت منذ استقلالها العام 1948 تحت حكم ديكتاتورية عسكرية على مدى خمسين عامًا. واعتبر فرنسيس وايد وهو مؤلف كتب عن البلاد أن "الشعب يدرك إلى أي حد يمكن أن يستخدم الجيش العنف وعدم اكتراثه بالسمعة الدولية، وهذا يمكن أن يكبح الرغبة في التعبئة".

 

ونددت الأمم المتحدة الثلاثاء بالاستخدام "غير المتكافئ" و"غير المقبول" للقوة من قبل الجيش الذي قام بانقلاب الأسبوع الماضي. وأدان مقرر الأمم المتحدة الخاص لبورما توم اندروز باستخدام القوة مؤكدا ان الشرطة أطلقت النار وأصابت امرأة في نايبيداو. وانتشرت هذه الصور على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وكتب مبعوث حقوق الانسان الأربعاء "يمكنهم إطلاق النار على شابة لكن لا يمكنهم سرقة أمل شعب وتصميمه" مضيفا "العالم يتضامن مع متظاهري بورما".

 

وقال طبيب في مستشفى نايبداو إن الشابة وتدعى ميا ثوي ثوي خين أصيبت في الرأس وهي "في العناية الفائقة لأنها بحاجة لمساعدة على التنفس ولا تزال فاقدة للوعي" صباح الأربعاء. وأفاد طبيب آخر الثلاثاء بأن العسكريين أطلقوا الرصاص الحي على المتظاهرين على ما تظهر الجروح التي عاينها على شابين أدخلا المستشفى في حالة حرجة. وأضاف الطبيب "نعتقد انه الرصاص الحي".

الحزب الحاكم

في ماندالاي، ثاني مدن البلاد، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على متظاهرين كانوا يرفعون أعلام الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية، حزب أونغ سان سو تشي. وقالت الرابطة إن العسكريين داهموا مساء الثلاثاء مركزها في رانغون.

 

وكتب الحزب على صفحته على فيسبوك "داهم الديكتاتور العسكري ودمر مقر قيادة الرابطة الوطنية قرابة التاسعة والنصف مساءً" فيما كانت تجرى تظاهرات في عدة مدن قمعت بخراطيم المياه واطلاق الرصاص المطاطي. وقال عضو الرابطة سوي وين الاربعاء لوكالة فرانس برس إن حارسا شهد المداهمة التي قامت بها قوات الأمن عبر نظام المراقبة بالفيديو عن بعد لكنه لم يتمكن من التدخل بسبب حظر التجول.

 

وصباح الأربعاء، عثروا على أقفال حطمت فيما فقدت أجهزة كمبيوتر وقطعت أسلاك كهربائية وكابلات خادم واختفت وثائق مصرفية كانت موضوعة في خزنة. وأكد بحسب سوي وين أن الحزب يعتزم التقدم بشكوى لدى الشرطة. وحظرت السلطات منذ مساء الاثنين التجمعات لأكثر من خمسة أشخاص في رانغون ونايبيداو ومدن أخرى. وفرض حظر تجول وتم تفريق متظاهرين مساء الثلاثاء.

 

خلال الأيام الماضية تظاهر مئات الآلاف في مختلف أنحاء البلاد مطالبين بالإفراج عن المعتقلين وإنهاء الدكتاتورية وإلغاء دستور 2008 المحابي للجيش. وافادت منظمة غير حكومية لمساعدة السجناء السياسيين انه منذ الانقلاب في 1 فبراير بلغ عدد الموقوفين 190 شخصا الأربعاء. لم يسبق للبلاد أن شهدت احتجاجات كهذه منذ الانتفاضة الشعبية العام 2007 المعروفة باسم "ثورة الزعفران" والتي قادها الرهبان وقمعها الجيش بعنف.

 

وكان حزب سو تشي قد حقق فوزا كاسحا في الانتخابات العامة في نوفمبر، لكن الجيش لم يعترف أبدا بشرعية الاقتراع إذ يخشى القادة العسكريون من تراجع نفوذهم ومن أن تسعى أونغ سان سو تشي إلى تعديل الدستور. بعيد الانقلاب أعلن الجيش حالة الطوارئ لعام ووعد بعدها بتنظيم انتخابات جديدة.

 

تساؤلات وغموض

ويثير الانقلاب العسكري ضد الحكومة المدنية، العديد من التساؤلات حول الحاجة إلى ذلك التحرك العنيف فيما يحكم الجيش قبضته على السلطة بالفعل، من خلال تحكمه بمفاصل الاقتصاد وسيطرته على ربع مقاعد البرلمان، طبقا للدستور، فضلا عن إمساكه بمعظم الوزارات الحساسة، مثل الدفاع والداخلية والحدود.

 

ويتحدث محللون عن دوافع شخصية لقائد الجيش الجنرال "مين أونغ هلاينغ" الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانقلاب، فالجنرال الذي يعد بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد كان يستعد للتقاعد بعد عقد كامل من الإمساك بزمام الجيش والسلطة، وهو ربما لم يكن يفضل تلك النهاية الهادئة، ويرغب بقضاء مزيد من الوقت فوق سدة الحكم.

 

ويشير البعض إلى خشية هلاينغ من تقاعد غير مريح، في ظل ما تشهده البلاد من انفتاح على المجتمع الدولي، وتصاعد وتيرة انخراط بورما في التجارة الدولية، بعد عقود طويلة من العزلة بسبب الحكم العسكري القاسي وتجميد الحياة السياسية، ويخشى الجنرال القوي من أن يؤدي ذلك الانفتاح إلى مزيد من التآكل في شعبية ونفوذ الجيش، وصولا إلى تعديل الدستور وإلغاء النصوص التي تمنح القوات المسلحة وضعا مهيمنا على مقاليد الحكم.

جرائم حرب

ونجح الجنرال في الحفاظ على سلطة الجيش حتى في ظلّ انتقال ميانمار إلى الحكم الديمقراطي، لكنه واجه إدانات عالمية وعقوبات بسبب دوره المزعوم في مهاجمة الجيش للأقليات العرقية. ومع عودة ميانمار تحت قيادته إلى الحكم العسكري، يبدو أن مين أونغ هلاينغ يسعى لتوسيع سلطته وتحديد مستقبل البلاد القريب.

 

وفي أغسطس 2018 قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه "يجب التحقيق مع كبار الجنرالات العسكريين في ميانمار ، بمن فيهم القائد العام للقوات المسلحة الجنرال مين أونغ هلاينغ ، ومحاكمتهم بتهمة الإبادة الجماعية في شمال ولاية راخين، فضلا عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ولايات راخين وكاشين وشان".

 

ويرى محللون أن نتيجة الانتخابات البرلمانية الأخيرة والهزيمة المنكرة التي مني بها حزب التضامن الوحدوي والتنمية الحاكم سابقاً الذي أسسه الجيش قبل أن يسلم السلطة رسمياً في 2011، ربما رأى فيها الجيش مؤشرا كافيا على تآكل شعبيته، بصورة ربما تشجع مستشارة الدولة "أون سان سوتشي"، زعيمة حزب "الرابطة الوطنية للديمقراطية" الحاكم، على المضي قدما في تقليص نفوذ الجيش، حيث لم يحصل حزب التضامن سوى على 33 مقعداً من 476 مقعداً، بخلاف نسبة الـ 25% المخصصة للجيش.

 

وقوة الجيش البورمي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا اقتصادية. حيث يمتلك 14٪ من ميزانية الدولة. مع ذلك فإن تمويله يتخطى بكثير ما تشير إليه الأرقام الرسمية إذ يتهم بتهريب المخدرات، والدخول في منظومة الفساد، كما يستفيد من الأرباح التي تجنيها شركات مملوكة له إضافة الى نفوذ واسع في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد البورمي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق