مظاهرات الطلبة في تركيا.. القمع يفاقم ورطة أردوغان

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

تشكل قضية الطلاب الذين يتظاهرون منذ أكثر من شهر في تركيا احتجاجا على تعيين الرئيس التركي لرؤساء الجامعات، مشكلة صعبة للرئيس رجب طيب أردوغان الذي رد بنشر أعداد كبيرة من عناصر الشرطة في الشوارع، حيث مثل الشباب دوما عنصرا داعما لأردوغان وحزبه، لكنه اليوم يستنزف شعبيته وسط أزمة اقتصادية خانقة زادت من وطأته تداعيات تفشي فيروس كورونا.

 

وفي عام 2011 تمكن حزب العدالة والتنمية الحاكم من انتزاع 43 في المائة من أصوات الشباب بين 18 و 24 سنة، إلا أن العلاقة بين حزب العدالة والتنمية والشباب تدهورت بعد احتجاجات منتزه جيزي، وتراجع التأييد لحزب العدالة والتنمية في هذه المجموعة العمرية إلى 30 في المائة.

 

بداية الأزمة

وانطلقت الحركة الاحتجاجية عندما قرر إردوغان تعيين أحد الموالين لحزبه رئيسا لجامعة البوسفور (بوغازيتشي) المرموقة في اسطنبول مطلع العام الجاري. وكان اختيار هذا المسؤول هو القشة التي قصمت ظهر البعير لكثير من الشباب الذين لا يعرفون إلا زعيما واحدا فقط لبلدهم وهو إردوغان الذي وصل إلى السلطة عام 2003.

 

والاحتجاجات الطلابية المستمرة منذ أسابيع في إسطنبول بات لها في الأثناء صدى في جميع أنحاء تركيا، واعتبر الأستاذ المحاضر للعلوم الاجتماعية بولنت كوجوك أن تعيين رئيس الجامعة من قبل رئيس الجمهورية مؤشر على وجود عملية تركيز الحكم في تركيا، مشيرا إلى أن المشاركة الواسعة في الاحتجاجات ضد تعيين مليح بولو من طرف الرئيس التركي "معارضة ضد الاستبداد".

 

وفجر تعيين بولو غضبا بين بعض طلاب وأكاديميي الجامعة الذين اعتبروه تدخلا في شؤونها، فهذه المرة الأولى منذ عام 1980 التي يجري فيها تعيين رئيس للجامعة من خارج هيئتها التدريسية. وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة يوم 15 يوليو 2016، أصبح يحق لرئيس الجمهورية تعيين رؤساء الجامعات.

 

وأعلن ظافر ينال مستشار رئيس جامعة بوغازيتشي، قبل أيام، استقالته من منصبه عبر حساب "لينكد إن" الخاص به، وقال "لقد استقلت من منصبي كمستشار لرئيس جامعة بوغازيتشي حتى لا أرى جامعة ذات أبواب مقيدة مرة أخرى"، في إشارة إلى إغلاق الشرطة بوابة الجامعة لمنع المحتجين من التدفق إليها. كما قرر مجلس شيوخ جامعة بوغازيتشي والمجلس التنفيذي للجامعة إلغاء الاجتماع مع رئيس الجامعة ميليح بولو بسبب "ظروف الجامعة".

 

ومع أنها لم تحصل على ما يبدو على دعم غالبية الأتراك في الوقت الراهن، أحيت هذه التظاهرات ذكرى الحركة الاحتجاجية الواسعة التي هزت حكم أردوغان في 2013. واختار الرئيس التركي الذي لا يتردد في سحق أي شكل من أشكال التمرد على الفور منذ الانقلاب العسكري الفاشل في 2016، المواجهة، لكنه في ورطة لأن قمع الطلاب يوتر علاقته مع الغرب، فيما تمر بلاده بأزمة اقتصادية.

استقلال الجامعات

ويرى الطلاب المحتجون أن رؤساء الجامعات ينبغي اختيارهم بطريقة ديمقراطية وبمشاركة أعضاء جامعيين، وأن يكونوا مستقلين وغير مقربين من السلطة أو الأحزاب.

 

وتقول زينب قربانزاده (19 عاما) التي تشارك في الاحتجاجات "لسنا راضين بالوضع الاقتصادي ولا بالضغوط المتزايدة" على الحريات الفردية. وتوضح هذه الطالبة أن "مرتكبي جرائم قتل بحق نساء يفلتون من العقاب ورجال العصابات يخرجون من السجون ويعاملون مثل الأمراء، لكن رفاقنا يوضعون خاف القضبان بسبب تغريدة"، مضيفة "نحن نرفض ذلك".

 

ويبدو حرم جامعة بوغازيتشي اليوم كأنه حصن محاصر. فقد أقيمت حواجز معدنية على امتداد مئات الأمتار بينما أثار تسجيل فيديو للشرطة وهي تكبل بوابة مدخل الجامعة الشهر الماضي، الغضب. كما أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق تجمعات احتجاجية في اسطنبول وأنقرة وإزمير وأوقفت أكثر من 500 متظاهر.

 

ورغم أنه تم الإفراج عن معظم الطلاب الذين اعتقلوا، أدت عمليات التوقيف ووحشية القوات الأمنية إلى توجيه اتهامات جديدة لأردوغان بالميل إلى الاستبداد. وتقول زينب غامبيتي أستاذة العلوم السياسية في بوغازيتشي إن هذه الجامعة "بلورت العديد من النقاط التي تثير الاستياء بدءا من النظام الرئاسي (الذي أدخل في 2018 ووسع صلاحيات إردوغان) وصولا إلى انهيار الاقتصاد".

 

أدوات إرهابية

وبعدما بدا وكأنه يتجاهل الاحتجاجات في البداية، صعّد إردوغان هجماته على المتظاهرين في الأسابيع الأخيرة، ووصفهم بأنهم أدوات "في أيدي الإرهابيين" والقوى الغربية. كما انتقد بشدة مجتمع المثليين الذي أصبحت حقوقه مطلبا يردده المتظاهرون، ما أثار غضب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

 

وقال أردوغان إن عناصر من المعارضة تسللوا بين صفوف الطلبة الذين طالبوا في الماضي "خلال تجمعاتهم الخطابية بسيناريوهات قذرة مثل تنفيذ انقلاب". كما أن الرئيس التركي قارن الاحتجاجات الطلابية بمظاهرات منتزه جيزي التي وقعت في 2013، مضيفا: "عايشنا في السابق كيف تم نهب ممتلكات تجار، وكيف أنهم احتلوا بقنينات الجعة في أيديهم مسجد السلطان وليد".

 

في المقابل، تشير تيناز إكيم أستاذة الهندسة الصناعية في بوغازيتشي إلى أن "الموضوع الفعلي هو استقلالية الجامعات، لكننا مضطرون للتحدث عن (الطلاب) الموقوفين. من المستفيد من هذه الفوضى؟ لسنا نحن".

 

ويعتقد اوستون إرغودر الذي انتخب مرتين رئيسا لجامعة بوغازيتشي في تسعينات القرن الماضي، إن كان هناك "رد فعل مبالغ فيه" من قبل السلطات، وأنه حتى خلال الاضطرابات التي حدثت في السبعينات عندما كان حرم الجامعات يشهد مواجهات دامية بين الطلاب اليساريين واليمينيين "استمرت الفصول الدراسية دون انقطاع في بوغازيتشي"، على حد قوله.

 

وأضاف أنه نصح خلال اجتماع مع رئيس الجامعة الحالي مليح بولو "بنسج علاقات" من أجل "كسب القلوب والعقول". وبعدما ضغطت عليه المعارضة لتقديم استقالته، استبعد بولو الأسبوع الماضي الرحيل.

 

غياب القيادة

لكن رغم العزم الذي أظهره المحتجون، لا يتوقع أوزغور أونلوهيسارشيكلي مدير مكتب أنقرة التابع للمعهد الأميركي "جيرمن مارشل فاند"، أن يزداد زخم التظاهرات. فالرد الوحشي للسلطات وانعدام ثقة المتظاهرين في أحزاب المعارضة وغياب قائد للاحتجاجات، عوامل لا تخدم مصلحة الطلاب.

 

ويرى أونلوهيسارشيكلي أن "أحزاب المعارضة تدرك أن الاحتجاجات الجماهيرية تعزز الاستقطاب وأن ذلك يثير حماس أنصار إردوغان". في الوقت الحالي، يبقى الطلاب ومن يدعمونهم في حالة استنفار.

 

ويقول غوركان أوزتوركان المحلل السياسي المتخرج من بوغازيتشي، إن "هؤلاء الشباب يمضون كل وقتهم على الإنترنت ويرون أن هناك مواقع محجوبة وأشخاصا يعتقلون بسبب تغريدة على تويتر. إنهم مجبرون على التعبير عن إحباطهم بطريقة ما".

 

وتعد جامعة بوغازيتشي أو كما يطلق عليها "جامعة البوسفور" باللغة التركية من أكبر الجامعات الحكومية في تركيا، وتأسست عام 1971، وتم تصنيفها في المركز الثالث على مستوى الجامعات التركية والمركز الـ 624 على المستوى العالمي .

أخبار ذات صلة

0 تعليق